كسر كلّ التابوهات في موضوع شديد الخصوصيّة مثل الزواج كما قيل عنه، خاصّة في مجتمع لا يزال في غالبيته محافظاً. لاقى انتقاداً شديداً من العديدين، ولكنّه تحوّل إلى متنفس للعديدين في الوقت نفسه، خاصّة ممّن يعجزون عن التعبير بحرّيّة عن صفات شريك حياتهم. ليس هذا فقط، بل أصبح باب النجاة لأشخاص عانوا من الوحدة سنوات طوال في رحلة بحثهم عن الشريك المثالي، حيث قدّم لهم الفرصة لإيجاد شريك يضفي الأنس والوئام على أيامهم، كلّ من فعل هذا هو برنامج الزواج "إيفلين بنيملا" على قناة "آ تي في" التركية، والذي يعني "تزوّجني" من إعداد وتقديم المذيعة التركيّة الشهيرة أسرا أرول.

فلسفة البرنامج تقوم على إحضار الراغبين في الزواج من الجنسين، وعرضهم على الهواء مباشرة، وفتح المجال أمام الراغبين بالتقدّم للزواج سواء من الرجال أو النساء، ويتوافد علي ه الآلاف من الأتراك، ولكن يتمّ اختيار القليل منهم، يتحدّث كلّ الأشخاص المشاركين عن الميزات التي يرغبون في أن تكون متوفّرة في الشخص الذي سيكون شريك حياتهم، وعليه يتّصل من يجد هذه الصفات في نفسه، وإذا حدثت الموافقة المبدئية يستدعي فريق البرنامج الشخص المتّصل إلى الإستوديو، بعد الحصول على كلّ التفاصيل الدقيقة عن حياته، والتأكد من سجله الأخلاقي في الدولة، ثمّ يلتقي الطرفان داخل الإستوديو، ويوضع بينهما فاصل، ويزال هذا الفاصل بعد أن يتحادث الطرفان ويعطيان الموافقة على الاستمرار، وإذا لم يرضَ الطرف المشارك في البرنامج، يعود القادم من الخارج أدراجه، أمّا في حالة الاستمرار يجلس الاثنان في ركن داخل الإستوديو بعيداً عن أصوات الميكرفونات، ويمضي البرنامج على هذا النحو، وحينها تكون أمامهما مدّة تتراوح من أيام إلى شهور، وفي حال توصّل الطرفان إلى الموافقة النهائيّة، يتكفّل فريق البرنامج بترتيب نفقات الزواج، والسفر، وجولات التسوّق، كما ويعرض زفافهما على القناة مباشرة وسط حشد الراغبين والراغبات بالزواج.

وكان حول هذا البرنامج الكثير من الآراء المتفاوتة في تركيا، حاورتهم "خليجسك" هناك واستطلعت آراءهم، سارة من أنطاليا غير متزوجة تقارب من العمر السابعة والثلاثين، تجد في هذا النوع من البرامج إهانة للمرأة بالدرجة الأولى، وعذرها في ذلك أنّ المجتمع التركيّ مجتمع شرقيّ متحفّظ، وبرامج من هذا النوع مستوردة من الغرب، ولا يلائم إلا فئة قليلة من المجتمع التركيّ، من المتأثرين بالثقافة الأوربية.

وكان لخديجة في مدينة ميرسين الواقعة على شاطئ البحر المتوسط رأي قريب من رأي سارة وهي ابنة الخامسة والعشرين، تتحدّث العربيّة وتتقن قراءة القرآن الكريم باللغة العربيّة، أكّدت على ضرورة تعارف الطرفين، مشيرة إلى فترة الخطوبة التي أوصى بها الدين الإسلاميّ الحنيف، ولكن هذا البرنامج يسبّب لها الحرج ويخدش حياءها عندما تكون متواجدة مع عائلتها، وتضطر أحياناً إلى الذهاب إلى غرفتها، وتفضّل البحث عن شريك حياتها على مواقع التواصل الاجتماعيّ أو المواقع الخاصة بالزواج.

 أمّا بينغول دامير من أسطنبول، تقارب الثلاثين عاماً، كان لها رأي مخالف، حيث تجد أنّ هذا البرنامج يحمل الكثير من التوعية في موضوع كبير مثل الزواج، حيث يكون كلّ شيء واضحاً، ويختار الشخص شريك حياته بكلّ شفافية، ومن دون التعرّض إلى أيّ ضغط، خاصّة أنّ المجتمع التركيّ عانى كثيراً من حالات الزواج الخاطئ، حيث لم يكن يتسنّى للزوجة رؤية زوجها إلا في ليلة الدخلة، وكان هناك الكثير من التكتّم حول ما تعانيه المرأة من القهر والعذاب.

أما غمزة سايماز سيدة تركية تعيش في أضنة، ولها العديد من الأبناء والأحفاد، أشادت بهذا النوع من البرامج أيضاً، خاصّة أنّ الزواج فرض عليها، وهي ابنة العاشرة، وتقول: "في زمننا كان الجهل متفشيّاً، ولم يكن للمرأة من قيمة تذكر، كان الرجل يسيطر على كلّ شيء، كان الآمر والناهي، كما كانت المرأة تتعرّض للنبذ في حال رفضت الزوج الذي اختاره لها والدها أو أحد أقربائها، والكثيرات تعرّضن للقتل ممّن رفضن وهربن مع من أحببن" وحول التطوّر الاجتماعيّ في الوقت الحالي وضّحت: "ولكن في هذه الأيام، الحياة فيها الكثير من الراحة، وأصبحت المرأة مقدّرة ومساوية للرجل، والناس لم تعد جاهلة كما كانت، ولابدّ من أن تتطوّر طريقة الزواج. وأشدّد دائماً على أبنائي وأحفادي بعدم الزواج إلا بعد معرفة الطرف الآخر بشكل جيد وبكلّ وضوح، وهذا البرنامج برغم أنّ فيه بعض الحرج لجيلنا، إلا أنه  ينوّر الأجيال الحاليّة".

وقال أتيش آس وهو محامٍ تركيّ من أسطنبول: "هذا البرنامج يدخل بعض الشيء في نمط تلفزيون الواقع الذي بدأ في الغرب، حيث كان ملائماً للثقافة الغربيّة بعض الشيء، حتّى أنّه لم يكن مقبولاً عند البعض، أمّا البرنامج فكرته تدعو إلى الزواج بناءً على معايير واضحة أجدها جيّدة إلى حدّ ما، لكن طريقة عرضه على التلفاز أمام جمهور عريض، يقلّل من قدسيّة الزواج في مجتمعنا التركيّ، الذي تختلف ثقافته عن الثقافة الغربيّة، وليس كلّ ما يظهر على الإعلام يمثّل مجتمعنا كما يروّج".

وحول إمكانية نجاح برنامج كهذا  في العالم العربي، التقينا أحمد رسول، وهو عربيّ من بلاد الشام يدرس الماجستير في جامعة بوغازيجي في أسطنبول قال: "في الحقيقة، المجتمع التركيّ متقدّم على المجتمع العربيّ في درجة انفتاحه، رغم أنّ التاريخ بينهما مشترك، ويتمتّع الإعلام التركيّ بحرّية عالية جدّاً مقارنة مع الإعلام العربيّ، ونلمس الجرأة في طرح العديد من القضايا الإشكاليّة، رغم أنهّا تثير حفيظة البعض" وأضاف: "وبحسب ما أتذكر، أعتقد أنّني تابعت برامج مشابهة لهذه البرامج على قناة "إم بي سي" وبعض القنوات اللبنانيّة، ولكن لم يكتب لبعضها الاستمرار، بسبب عدم تناسبها مع قيم المجتمع العربيّ، ومثل هذا البرنامج يضع الإصبع على الجرح بالنسبة لنا، خاصّة أنّ الشباب العربيّ يعاني من مصاعب حقيقية في الزواج، سواء من الناحية المادّيّة أو من ناحية قلّة أجواء التعارف والاختلاط بين الجنسين، التي تسمح لكلّ شخص باختيار شريكه في جوّ من الحرّية الاجتماعيّة، وأعتقد بأنّه سيكون على رأس البرامج الأكثر مشاهدة في العالم العربيّ إذا ما تمّ استنساخه في إحدى المحطات التلفزيونيّة العربيّة".

جدير بالذكر أنّ مقدّمة ومعدّة البرنامج " أسرا أرول" وجدت شريك حياتها في برنامجها هذا، وأقامت حفلة زفافها في الإستوديو على الهواء مباشرة، وحتى الآن نجحت 23 حالة زواج، و25 حالة خطبة من كافة الأعمار، وتستغرق مدة البرنامج 165 دقيقة، يعرض يوميّاً ماعدا يومي السبت والأحد، ورغم كلّ الآراء المتضاربة حول البرنامج إلا أنّه يحظى بمتابعة عالية في عموم تركيا.

– عبدالله ميزر

 abdhisen@gmail.com

0 Shares:
Leave a Reply

Your email address will not be published.

You May Also Like