تألّقٌ ينضح بالسّحر، وتفرّدٌ يتغنّى بثراء أحاسيس الصانع، وخصوصيّة في الصّياغة تؤكّد على عراقة ارتباط هذه المنطقة بتاريخ الفنّ والإبداع والجمال، هذا ما تنمّ عنه كل حلية نفيسة وُلدت على أرض الخليج وبين يدي صاغتها المُحترفين مُنذ أقدم العصور حتّى اليوم، لتؤكّد على تاريخها الحضاري والإنساني الشّامخ عامًا بعد عام. إذ أفصحت التنقيبات الأثريّة أنّ سُكّان الحضارات القديمة في منطقة الخليج كـ "دلمون" و "تايلوس" كانوا يُقدّرون الحلي والمصوغات الثمينة ويتحلّون بها في مُختلف المناسبات، بدليل وجود عدد لا يُستهانُ به منها مع الهياكل العظميّة التي دُفن أصحابها في عصور كانت المقتنيات الثّمينة فيها تدفن مع الموتى لمعتقدات إنسانية خاصة. وتؤكّد الأبحاث والدّراسات في علم الآثار والإنسان أن النّساء كن في حينها شغوفات بارتداء المشغولات الذهبية والأحجار الكريمة واللآلئ التي تجود بها أعماق الخليج، إلى جانب بذلهنّ أقصى ما بوسعهن للظهور بمستوى شديد من الرقي والجمال والأناقة.

ومع تطوّر التّجارة وطفرة الهجرات إلى الأراضي الخليجية، ازدهرت صناعة الحلي والمُجوهرات في المنطقة، نظرًا لإتّصال تُجّارها خلال تلك الفترة بمناطق مجاورة، منها بلاد الهند وحضرموت، التي اشتهرت بمناجم ذهبها الغنيّة منذ عهد مملكة سبأ وحمير في منتصف القرن الأول قبل الميلاد. الأمر الذي أتاح لصائغيها فرصة الإطلاع على أشكال جديدة ومُختلفة من الحُلي الذهبيّة والفضيّة التي جلبها القادمون من بلدان وحضاراتٍ أخرى بعد نزوحهم إلى الأراضي الخليجيّة.

ارتبط الذّهب في الخليج بغيره من المعادن الثمينة كالفضّة والبلاتين، والأحجار الكريمة والنّصف كريمة كالعقيق والزبرجد والزمرّد والياقوت والفيروز والماس، إلى جانب خيرات البحر النفيسة كاللآلئ والمرجان وغيرها. ولم يقتصر استخدام المشغولات الذهبية والفضيّة في منطقة الخليج على زينة المرأة فحسب، بل امتزج بالعادات والمُعتقدات الشعبيّة، وارتبط بالحراك المُجتمعي في المنطقة. إذ كان العديد من الناس يعمدون إلى وضع نماذج خاصة من الأساور حول سواعد الأطفال والخلاخيل حول الكواحل معتقدين بأن لها قوة إيجابية قادرة على حمايتهم من الشرور والأمراض والأذى، بينما كانت المرأة تتحلى بقلائد ذهبية ذات نقوش خاصّة للزينة والحماية من الغيرة والحسد وشر العين والتعاسة.

أمّا النّقوش المُستخدمة في تلك المشغولات فهي مستوحاة في الغالب من الحياة الطبيعيّة في منطقة الخليج، لذا نراها تتكرّر كرسوم في الأزياء الشعبيّة، وفي النقوش الجصيّة، وفي الزخرفة الخشبيّة، وغيرها من فنون النّقش الإبداعي. وصياغة المعدن النّفيس فنٌ قائمٌ بذاته، ولهذا دأب صاغة منطقة الخليج في الماضي والحاضر على الإبتكار والتجديد المُستمر في الحليّ الخارجة من تحت أيديهم إلى النّور، فابتكروا أشكالاً نادرة، تتسم بالجاذبيّة والجمال. كما برع الصّائغ الخليجي فيما تحتاجه هذه الصّناعة من مهارةٍ ودقّة وإتقان نتيجة لتمرّسه في هذه الحرفة، فترك بصمات روحه الواضحة على الأشكال والزّخارف المنقوشة على القلائد والأساور والأقراط، مُستوحيًا أغلب تلك الأشكال والرّسوم والنّقوش من البيئة الخليجية، وكثيرًا ما تُرى رسوم الأشجار والأوراق والأغصان وأزهار هذه المنطقة، إضافة إلى بعض الأشكال والنّماذج البحريّة كالمحار والقواقع.

وللصياغة الإحترافيّة في الخليج أدوات خاصّة يستخدمها الصائغ ساعة عمله على تشكيل الحلية، منها ما يُسمّى بالـ "برشم" وهو حديدة مُخصصة للنقش، والـ "مغراس" وهو أداة لقطع الذهب، و "كبية العظم" لتصفية الذهب من الشوائب، و "السنكار" وهو قطعة خشبية تُستعمل عندما يُراد تنعيم قطعة اللحام، و "الكبية" التي تُستخدم لصب الذهب وهو مصهور، و "المنكار" وهو عبارة عن دائرة تضم مجموعة من الثقوب، و "المفراك" المخصص للزخرفة. كما يستخدم الصائغ "المرسماي" وهي مطرقة صغيرة يستخدمها لطرق الحلية الذهبية عند صياغتها، و "الغرباي" وهو عباره عن إناء صغير مصنوع من النّحاس، و "السنطل" وهو حديدة مربّعة الشكل ذات ثقوب متعددة تُستخدم للتشكيلات الزخرفيّة، وأخيرًا؛ يُمسك الصائغ الحلية بمقبضٍ صغير يُسمّى "العصفوري". مازال القليل من المواطنين الخليجيين يُمارسون تلك الحرفة رغم أنّ أكثرهم تحوّل في الآونة الأخيرة إلى تُجّار مُجوهرات، واكتفوا بالإشراف على تجارتهم بعد أن قضوا زمنًا في مزاولة تلك الحرفة بأيديهم فيما مضى.

جديرٌ بالذكر أنّ صياغة الحُلي في منطقة الخليج قد تعرّضت لكثيرٍ من المؤثّرات والتغيّرات على مرّ العصور، الأمر الذي تمخّض عن أنماط تتسم بالطابع التقليدي والكلاسيكي القديم، أبدعتها أنامل الفنّانين من صاغة كُلّ عصر، فكانت ومازالت كلّ حليةٍ تشهد على ما هو سائد من تفاصيل للحياة المُجتمعيّة، ومُعتقدات وأساطير وتقاليد شعبيّة خلّدها هذا الفنّ العميق العريق حتّى يومنا هذا في سجلات التّاريخ وعلوم الإنسان في هذه المنطقة.

من مجوهرات الماضي

لطالما استخدمت المرأة الخليجيّة أنواعًا كثيرة من الحلي التي تختلف من حيث النّوع، والشّكل، وطُرق الارتداء، والزّخارف المُرتبطة بها، نذكُرُ منها

أولاً: حلي الرأس والشعر: نظرًا لأعتبار شعر الرأس الطّويل أحد أهم عناوين الجمال والأنوثة في البيئة الخليجيّة، حرصت المرأة في الخليج على تدليل شعرها بلمساتٍ أنيقة من الحلي الثّمينة كـ "مشمومة القصة" وهي عبارة عن قطعة من الذّهب تُعلّق بخيط من الصّوف، وتُجدل مع ضفائر الشّعر من الأمام والخلف، كما يُعلّق الرّيحان الأخضر الطّبيعي (المشموم) مع "مشمومة القصّة" ليتمخّض ذلك عن مظهرٍ شديد الجاذبيّة للشعر. و "القبقب" الذي أخذت تسميته من الحيوان البحري الشهير بهذا الاسم في منطقة الخليج، والمعروف بـ "سرطان البحر". هذه الحلية توضع فوق رؤوس الفتيات الصّغيرات  -في الغالب- لتتدلى منها مجموعة من السلاسل الذهبيّة المُزيّنة بالفصوص المُلوّنة. وأخيرا هُناك "الهلال" الذي يُجدل في الشّعر عند قمّة الرأس، وقد اقتبس اسمه من "الهلال" لوجود شبه بينهما، ويستخدم كذلك لتزيين رؤوس الفتيات الصّغيرات أثناء المُناسبات والأعياد. وثمّة أغنية شعبيّة شديدة الطرافة تتغنّى بها الأمّهات حين ترتدي صغيراتهنّ تلك الحلية في أطراف من البلاد الخليجيّة، تقول

يا أم كذيله.. يا أم هلال لا تاخذين الدلاّل..  إخذي محمّد الريّال 

ثانيًا: حُلي الأذن: وهي أقراط مُختلفة من ناحية الحجم والشّكل، وأهم مُسميات الأقراط التي ارتدتها المرأة الخليجيّة هي: (الشّقاب، اغلاميّات، صباح الخير، طعامة، العشارج، نخيلات، إشكاب، الكواشّي  ) وتُحلّي هذه الأقراط بعض الأحجار الكريمة والنّصف كريمة كالياقوت والفيروز. وهُناك أغنية خاصّة بحلية "صباح الخير" تُردد في بعض المناطق الخليجية، تقول

صباح الخير يا ثاجبة الأصيلة =  يا بنت الشيخ  يا نسل الكحيلة

 أبوج الشيخ  والمذكور يدّج = وخالج ذاك  ما رأينا مثيله

ثالثًا: حُلي العنق والصّدر: تمتاز هذه الحُلي بتعددها وتنوّعها، إلى جانب امتيازها بالكثافة وكثرة النّقوش فيها، ومن أشهر مُسمّياتها في الخليج: (المرتعشة، المعري، المنشور، المرتهش، المرية، الياسمينة، النكلس، الينزيل، اليامعة)

رابعًا: حُلي اليد: توجد أنواع مُختلفة من الأساور التي يُرتدى بعضها في الأيّام العاديّة، ويّدخر بعضها الآخر للارتداء في المُناسبات السّعيدة مثل: (شميلات، حب الهيل، صويرات، ملتف)، وهناك "الخصور" التي تأتي على شكل حبّات من المرجان الأحمر والأسود تُحيط به وحدات زخرفيّة بارزة، و "البناجري" الذي يُلبس في معصم اليد وله مفاتيح خاصّة تسهّل عملية ارتدائه وخلعه، أمّا "الكف" فهو عبارة عن خمسة خواتم تُلبس في كُل إصبع من اليد، وتتصل مع سوارٍ في المعصم، أو سلسلة ذهبيّة تتدلّى في تناسُقٍ بديع

خامسًا: حُلي الأصابع: تعتني المرأة في هذه المنطقة بتزيين أصابع اليدين حسب نظامٍ تقليديٍ موروث، فلكُلّ إصبعٍ خاتمٍ يعرف باسمه، وهي: الختم، والمرامي، والشّواهد، واليبابر، والخناصر

سادسًا: حُلي الأنف: بعد أن تُثقب جهة قريبة من فتحة الأنف اليُسرى، يُدخل في هذه الفتحة نوع من المشابك يُسمّى "زمام"، وهي قطعة صغيرة من الذهب المُحلى بفصٍ أو فصوص مُلوّنة

سابعًا: حلي القدمين: تُزيّن القدمان بارتداء الخلخال (الحيول) ويأتي على عدة أنواع مختلفة في الشكل والحجم، ويُستخدم في الغالب للأطفال الصّغار، في حين تتحلّى به النّساء خلال المُناسبات السعيدة

ثامنًا: حلي الثياب: لم تكتفِ المرأة هُنا بتزيين تلك المناطق من جسمها بالمصوغات الذهبيّة، بل نالت ملابسها نصيبًا لا يُستهان به من تلك الحُلي. ومن تلك المصنوعات تأتي “العمايل” ومفردها “عميلة” وتعلّق كلّ واحدةٍ منها على جانب من جوانب العباءة النسائية "الدفّة"، وهناك أيضا مشبك "محلاب" وتستخدمه النساء في تزيين الثياب التي تُرتدى في المُناسبات والأعياد. أمّا "المحزم" فهو حزام من الذهب أو الفضّة، يُصاغ بأشكال مُختلفة، تلبسه بعض نساء الأسر الخليجيّة الرّفيعة، كما يُستخدم أيضًا بشكلٍ أوسع أثناء المُناسبات المُجتمعيّة السّارة

بين الأمس واليوم

مازال للمجوهرات دورها وقيمتها الرّفيعة في نفس المرأة الخليجيّة، وحياتها، ومناسباتها السعيدة، ومازالت الكثير من تلك المصوغات التقليديّة الثمينة تحافظ على نمطها التقليدي الأصيل في مجتمعاتنا الخليجية، إلا أن التغير الذي طرا على الأزياء الشعبية وما نالها من تحديث تأثر تأثرا طبيعيا بعالم الأزياء والموضة القادمة من أسواق الشرق والغرب مس هو الآخر عالم المصوغات والمجوهرات الخليجية، فامتازت مصوغات اليوم بضآلة الحجم والتناسق في الزخرفة، وبساطة الأشكال

 زينب البحراني –

0 Shares:
Leave a Reply

Your email address will not be published.

You May Also Like