الأعمال الفنية المصغرة لمحمد حافظ تخطف الأنفاس بتفاصيلها وتأثيرها.

عندما يدخل المرء إلى المعرض، يستشعر الحب في كل عمل فني وبكل وضوح. ولكن سرعان ما يجد نفسه يمشي على حبل مشدود من المشاعر، حبال متوازنة بشكل غير مستقر بين الأمل والعجز، متماسكة في كلا الطرفين من خلال اشتياق حافظ إلى وطنه، والعزلة التي عاشها عبر مراحل متعددة من حياته في الولايات المتحدة.

محمد حافظ في معرضه "ماذا يعني لك الوطن؟" المقام في معرض جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم قطر، يتفقد عمله "حنين مؤطر ٣"، ٢٠١٩

زار الفنان السوري الأمريكي مؤخرًا الدوحة، قطر بدعوة من معرض جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر، في المدينة التعليمية في مؤسسة قطر، حيث أقيم معرضه "ماذا يعني لك الوطن؟". وهناك، وبعد صباح يوم حافل باستقبال الزوار والتقاط الصور، جلس حافظ للدردشة ومشاركة أفكاره.

هذه القصة لا تتعلق فقط بأعماله. بل هي لمحة من عقل – لم تجرفه العواطف – بل حشد آلامه وإحباطه في عشرات من الأعمال الفنية المعقدة المتقنة، والتي ألهمت في النهاية فيلمًا وثائقيًا بعنوان "منزل محطم" تم ترشيحه لجائزة الأوسكار من نيويوركر. 

استهل حافظ حديثه قائلا أن العزلة بالنسبة له مصدر إلهام، تمنحه كل من السلام والألم. وهذا شيء اعتاد عليه منذ كان طفلاً.

"نشأت في مجمع سكني في منطقة الخرج خارج الرياض، كنت أنا وإخوتي نقطع مسافة طويلة إلى المدرسة، ساعة ونصف في الذهاب ومثلها في الأياب. تلك الرحلات – الهادئة والساكنة – علمتني وعن غير قصد أن أكون مرتاحًا مع الصمت. كنت أجلس بمفردي، كل يوم، وأنفي مضغوط إلى النافذة، أقارن الجبال البعيدة التي تبدو ثابتة مع المناظر الطبيعية ذات اللون البيج الفاتح التي تتسارع أمام ناظري. منحني هذا مساحة كبيرة لاستعراض أفكاري. كنت أقوم بتكوين قصص طويلة وصور مفصلة في رأسي.

"لم أكن أعي ذلك وقتها، لكنني كنت أختبر نوعًا من الإبداع الذي ينبعث من عقل ساكن ومرتاح. ووفقًا للمعايير الحديثة، أعتقد أنني كنت أجني فوائد التواجد في اللحظة – دون أن أدرك ذلك بالطبع. و بعد سنوات، و كشخص بالغ، اختبرت نوع مختلف من العزلة – نوع ولد من الوحدة – كنت قادرًا على الاعتماد على نفس التصور الداخلي في ابتكار هذه القطع".

من سلسة "الأذانات الدمشقية" لمحمد حافظ، ٢٠١٨

في الواقع، كطالب أولاً ثم كمهندس معماري محترف في الولايات المتحدة، كانت العزلة رفيقة روحه: الحنين المتصاعد إلى الوطن الذي غمره عندما لم يتمكن من زيارة سوريا والعودة إلى الولايات المتحدة، حيث لم يكن يحمل سوى تأشيرات دخول للدراسة أولاً ثم للعمل؛ والإحساس باليأس الذي خنقه وأدى به إلى الصمت وهو يشاهد بلاده تمزقها الحرب؛ والوحدة التي عانى منها لأنه اختار بوعي ألا يعيش الحياة في مسارها السريع.

أثناء حديثه، تحول صوته من النبرة المبهجة والمتفائلة التي استخدمها وهو يتواصل مع الزوار قبل هذه المحادثة، وأصبح ثابتًا؛ ناعما وبطيئا. كانت هناك لحظات صعب فيها فهم ما إذا كان يجيب على استفسار، أو يضيع في تأمله الذاتي.

"الصمت والوقت – أو الوقت في سكون، إذا صح التعبير – يسمح لك بتفحص أفكارك؛ بعد الاستجابة الأولية السريعة للموقف، ويتيح لك التعرف على سبب استجابتك الذهنية للأحداث من حولك بطريقة معينة. يمنح الوقت أفكارك مساحة للتسلل ثم الاستقرار ".

"أعمالي الفنية هي نتيجة لذلك. ترى ذلك بالتفاصيل. لا توجد قطعة مصغرة واحدة تم وضعها هناك بالصدفة. كل قطعة هي اختيار وتمثل شيئًا من تعلقي بالوطن، و للعدد الذي لا يحصى ممن فقدوا منازلهم هناك".

أشار محمد حافظ إلى أعماله الفنية المعلقة على جدران الجاليري قائلاً: "لن تكون هذه الأعمال هنا لو حاولت تجاهل آلامي أو وحدتي، أو قمت بطمسهم بملهيات أخرى. ولكن بدلا من ذلك، تركتهم يكبرون في داخلي ببطء حتى فارو ليستقروا بعد ذلك. حينها قبلت وضعي وقررت أن أفعل شيئًا حيال الموضوع. بالنسبة لي، كان هذا يعني توجيه مشاعري نحو الإبداع.

لكنها عملية. وتلك العملية تحتاج إلى وقت. لا يمكنك استعجالها ".

لم يستعجل حافظ. في الواقع، استغرق الأمر منه ما يقرب اثني عشر عامًا.

من "رحلات"، عمل محمد حافظ

"يحدق الناس في أعمالي الفنية" وأتساءل ". ماذا سيقول هؤلاء الأشخاص إذا علموا أنني لم أقم بعرض أعمالي لمدة 12 عامًا؟ بدأت مسيرتي الفنية وأنا أدرس وواصلت رحلتي الإبداعية أثناء عملي في وظيفة يومية مع شركة معمارية محلية. لا يمكننا تصور 12 عامًا في عالم صارت فيه الساعتان طويلتان جدًا. بالنسبة لمعظم الناس الآن، 12 عامًا هي دهر كامل. هناك حقيقة لابد لنا أن ندركها وهي أنك لن تستطيع أن تبتكر إذا كنت تمضي حياتك جريا؛ عليك أن تتوقف وتتذوقها. وللأسف هذا ما يحدث حولنا.

عندما أنظر حولي وأعود بأفكاري إلى الوراء، أدرك أن ما كان بالنسبة لي طفولة طبيعية جدًا، أصبح الآن فريدًا، نتوقع اليوم أن تستمر عقول الأطفال والكبار بالحركة طوال الوقت، حتى عندما نتصور من الخارج أنهم جالسين بهدوء لبضع دقائق. فثقافتنا الحالية تدور حول ذاتنا والسرعة في تحقيق الذات. كل شيء الآن يدور عني، أنا ، أنا فقط. وكيف يمكنني أن أكون الأول و الأفضل. وهذا هو السبب أيضًا في ما نراه من الكثير من المبدعين المحبطين. فأغلبهم يريدون أن تكون إبداعاتهم الأولى جديرة بالعرض. إنها مسألة صبر في فهم أفكارك ".

ويقول محمد حافظ إن قدرته على التعمق في أفكاره الداخلية، و فكها، ووضعها في سلسلة تلو الأخرى، هي التي ساعدته على تحديد رغبته في أن يصبح فنانًا ومهندسًا معماريًا، وتحقيقها في النهاية.

بعد التخرج، اتبع محمد مسارا محددا. انضم إلى شركة معمارية مرموقة في الولايات المتحدة. محاطًا بمصممين رفيعي المستوى ومشاريع رفيعة المستوى، يمكن للخريج الجديد ممارسة المهارات التي اكتسبها بشق الأنفس وبتكلفة شخصية لا تصدق. أبقته ساعات العمل التي تبلغ 12 ساعة يوميا في حالة تأهب. كما جعلته يتوق إلى الوطن أكثر.

"لا الأضواء ولا الضوضاء قادرة على إخفاء الشعور بالوحدة. في كل عام، كانت أفكاري أكثر إشراقًا وأعلى صوتًا من أي شيء في الغرفة أو في الشوارع. بدأت في أوقات فراغي في الخروج من منطقة الراحة الخاصة بي للعمل الإنساني. سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو عندما عدت أخيرًا إلى الشرق الأوسط لرؤية عائلتي، التقيت بأشخاص دمر العنف حياتهم: آباء اضطروا إلى دفن أطفالهم، وأطفال اضطروا إلى دفن والديهم. زاد هذا من حدة تأملي لذاتي و عمق منظوري. أدركت أنني أكثر من مجرد محترف أو عامل. طورت مقياسًا أخلاقيا لإرشادي".

"أنني أكثر من مجرد محترف أو عامل. طورت مقياسًا أخلاقيًا لإرشادي."

هذه البوصلة أخلاقية ساعدت محمد حافظ على الوقوف في وجه انتقادات المتشككين ذوي النوايا الحسنة الذين لم يدركوا أنه لا يوجد ما يمكنه ردع سيل الإبداع المنطلق من عقله و قلبه الملتهبان المتغنيان بالألم.

"حتى اليوم، بالنسبة للكثير من المهندسين المعماريين المحترفين، ما فعلته هو انتحار مهني. لا أستطيع أن ألومهم. نادرًا ما توجد الفرص التي أتيحت لي في مثل هذه السن المبكرة – رئيسًا مساعدًا، وشركة مرموقة – في وظائف الهندسة المعمارية. بالنسبة لهم، كنت اقترب من ذروة مسيرتي عندما قررت الاستقالة. لذا، جعلتهم رؤيتي أبتعد عن كل هذا، للتركيز على فني وممارساتي الخاصة، يتساءلون "ما الذي حل بدماغك؟".

محمد حافظ

"نعم، راودتني لحظات من الشك والخوف. كلما طال الانتظار، زادت الفواتير والرهون العقارية والمسؤوليات وتراكمت. لكنني شعرت بأن عزائي سيكون فقط في أعمالي الفنية؛ عندما كنت ابتكر، كنت شعر بأنني أصلي. والآن، وبالنظر إلى الوراء، أشعر أن ما وصلت إليه الآن هو نتيجة مزيج من بركات الله الذي يرسل إليك الأشخاص المناسبين في الوقت المناسب، بالإضافة إلى المثابرة والصمود ".

يبتسم محمد حافظ وتراوده هذه الفكرة: "هناك القليل من التناقض هنا. في المعارض، يرى الزائرون فنانًا ومهندسًا واثقًا من نفسه يمزح، ويرد على أسئلتهم بمرح. وما قد لا يفهمونه هو أن هذه الثقة ليست وليدة النجاح. إنها ثقة ولدت من صمت أفكاري.

"صدق أو لا تصدق، أنا شخص يمكنني قيادة السيارة وبسعادة لمدة 20 ساعة، بمفردي، تشاركني أفكاري فقط."

"هناك حقيقة في القول : إذا كانت الكلمات من الفضة، فالصمت من ذهب. "


كلمات ماري جوزف

هذه السلسلة جزء من شراكة تحريرية بين VCUarts Qatar و خليجسك

0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You May Also Like
Read More

دن‭ ‬غاليري الكويت

يضم‭ ‬معرض‭ ‬دن‭ ‬غاليري،‭ ‬المنشئ‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬٢٠١٥،‭ ‬بين‭ ‬جدرانه‭ ‬أعمالا‭ ‬لفنانين‭ ‬معاصرين،‭ ‬عارضا‭ ‬أساليب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭…
Read More

بون ‬آب

 ‬ يعمل‭ ‬ثلاثي‭ ‬نسائي‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سيدات‭ ‬اسكندنافيات‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬مشكلة‭ ‬الطعام‭ ‬الفائض‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬وجبة‭ ‬تلو‭…
Read More

سارة طيبة

منذ‭ ‬طفولتها‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬العاشرة،‭ ‬كانت‭ ‬الرسامة‭ ‬السعودية‭ ‬سارة‭ ‬طيبة‭ ‬تعرض‭ ‬للعالم‭ ‬لمحات‭ ‬من‭ ‬مسارها‭ ‬الوظيفي‭ ‬المستقبلي،‭ ‬حيث‭…
Read More

اينكد

اينكد‭ ‬هو‭ ‬مطعم‭ ‬لا‭ ‬يشابه‭ ‬ما‭ ‬اعتدت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬مطاعم،‭ ‬إذ‭ ‬يركز‭ ‬عبر‭ ‬أفكاره‭ ‬المتجددة‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬تجارب‭…