كلمات: سايرا مالك وعُباده الجفري
الترجمة العربية: ساره السلطان
الصور: رغد الاحمد وعُباده الجفري

عُباده الجفري هو فنان بصري متعدد التخصصات، ولد في جدة بالمملكة العربية السعودية ويقيم حالياً بين الرياض وجدة. عاد إلى وطنه بعد دراسته في الولايات المتحدة حيث أكمل تعليمه في كلية الفنون في سافانا ولاية جورجيا، ثم انتقل إلى شيكاغو ولاية إلينوي للعمل الحر على مشاريع لعام آخر. يركز عمله الإبداعي المكون من رسومات تصويرية وغيرها من الوسائط الأخرى حول مجموعة من المفاهيم، من قضايا بيئية إلى استهلاكية التي ابتلي بها مجتمعنا الحديث. يتواصل عباده مع جمهوره عن طريق حس الفكاهة والسخرية ونتيجة التواصل قوية ومعقدة. 

تحدث إلينا عباده مؤخراً بشأن عمله وشغفه وخططه المستقبلية. إن صوته الأصيل و دقة إجاباته تبرز الانسان الذي هو عليه وهي انعكاس لحبه لما يفعله ببراعة تامة. 

الفنان التشكيلي متعدد المواهب والاختصاصات عبادة الجفري؛ تصوير رغد الأحمد

سايرا مالك (س.م.): ما الذي دفعك لممارسة الفن كمهنة ومغادرة جدة للدراسة في كلية سافانا للفنون والتصميم في سافانا ولاية جورجيا؟ 

عباده الجفري (ع.ج.): باختصار، الشغف والطموح وانعدام الفرص. لطالما عرفت بأنني أريد مواصلة الفن كمهنة، فكنت كلما أُسأل عن ما أود أن أكونه عندما أكبر أجيب دون تردد "فنان". كانتا والدتي وأختي الكبرى مصدرا إلهام لي طوال سنيني، كنت أرى والدتي تعمل دائماً في مشروع و آخر، بدءاً من الوسائد المطرزة الإكسسوارات المنزلية وحتى الملابس المصنوعة من مواد معاد تدويرها وإكسسوارات الشعر وصنع الحلويات دون وصفة تقليدية. أما أختي فكانت دائماً ما ترسم أو تصمم ثيابها بنفسها. 

تواجدي في بيئة ابداعية مثل هذه سمح لي بتجربة وسائط مختلفة وتجربة تقنيات مختلفة قبل أن أُسجل بأي دورات فن. كانت فكرة التقديم للدراسة في الخارج أمراً لا يحتاج للتفكير، لأن السعودية لم يكن لديها أي برامج فنية خاصة للذكور. استمر اسم كلية سافانا للفنون والتصميم بالظهور كلما كنت أبحث عن كليات وبرامج للفن. 

ذهبت لزيارة الكليات اللاتي تم قبولي فيها بينما كنت أتلقى دورة اللغة الإنجليزية في كابلان في واشنطن وكانت كلية سافانا للفنون والتصميم هي الخيار الأمثل لعدة أسباب. كان السبب الرئيسي هو مرونة برامجهم التي سمحت لي باستكشاف دورات أخرى وعبر تخصصات عديدة. لقد تغير مفهومي للفن من خلال تجربتي التعليمية. شرح لي أحد أساتذتي يوماً البروفيسور تيموثي جاكسون أن الفن هو تجربة جمالية تهدف الى الإخبار والتغيير. هذا ما أهدف إلى تحقيقه من خلال الفن الذي أخلقه وهو خلق تجارب تحويلية والتي تخبر المشاهدين عن الموضوع الذي أناقشه من خلال عملي. 

س.م.: ما هي خطواتك من البداية للنهاية؟ وأي من أعمالك تفضل حين تخلق فناً من الوسائط المختلفة التي تدربت عليها؟ 

ع.ج.: أبدأ بخريطة ذهنية للكلمات، أكتب وأكتب حتى تهيّج الكلمة الصورة وتحفزها للظهور، ثم أبدأ بالرسم والشخبطة بناءً على الصور في عقلي. ثم أبدأ بإجراء بحثي المتصور عن طريق عمل لوحة مزاجية تحتوي على مجموعة من مراجع الانترنت ومراجع صور. أقوم بعدها بإنشاء عينة مكررة (وهي خطوة تتجاوز الرسم التخطيطي). أقوم بتعديل و تنقيح العينة أكثر فأكثر وأطليها باللون بعض الشيء ولكن بشكل غير محدد لاختيار أفضل مزيج ألوان قبل المضي قدماً. اذا لزم الأمر بعدها أرحب بالنقد والتعليق من قبل حفنة من الأصدقاء المقربين أو أفراد العائلة. أفكر بالتعليقات والانتقادات وأعمل على تعديل ما يلزم. أكرر بعض الخطوات حسب الحاجة، ثم أبدأ العمل على النسخة النهائية وأقوم بالتنقيح من هناك حتى يكتمل الفن. 

بالنسبة للرسم فإن طريقتي المفضلة هي الجواش والألوان المائية وبالنسبة للنحت فأستمتع بالعمل على الطين والشعر. مع ذلك فإنني أستمتع بدمج التقنيات المختلفة ببعضها البعض ذلك لأنني أميل إلى الملل بسرعة. 

س.م.: كيف توظف فنك في التعليق على التركيبات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية لمجتمعنا الحديث؟ 

ع.ج.: أوظف قدراً كبيراً من السخرية والفكاهة في فني. فأنا أستمتع بوضع العناصر المتناقضة جنباً إلى جنب لخلق صور محيرة. غالباً ما تكون الصور المرئية التي أقوم بها عبارة عن مظاهر واستعارات بصرية لقضايا مختلفة تستكشف الجهل المتعمد والمعتقدات العقلانية التي نتبناها داخل الثقافات المختلفة التي نتشاركها. بصفتي فناناً، أعتقد أنه من الضروري لي التفكير في هذه القضايا لأخلق الادراك داخل وعينا الجماعي. أعتقد أيضاً بأنه دور الفنان الرئيسي بأن يعكس الواقع المحيط به داخل الثقافة أو المجتمع أو الوقت، بغض النظر عن مدى قبح هذا الواقع. 

س.م.: ما هي التجارب الشخصية التي ألهمت فنك؟

ع.ج.: لا أعرف كيف أجيب عن هذا السؤال فأشعر بأن كل شيء مرتبط. ربما جعلني وجودي على هامش الدوائر الاجتماعية أتعاطف مع الآخرين ومع أولئك الذين لا صوت لهم أو غير مفهومين. وربما قد أثر هذا الشيء على الموضوعات التي أعبر عنها في عملي. 

س.م.: لقد ولدت وترعرعت في جدة ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تعليمك وبقيت هناك حتى الآن وبالتالي لديك خلفية ثقافية متعددة. ما هو تأثير العيش في الخارج على عملك كسعودي؟ 

ع.ج.: كفرد قادم من بلد فقير سابقاً من الناحية الفنية كنت جائعاً لاستيعاب أكبر قدر ممكن من الفن والابداع. أعتقد أن الفضول دفعني لمحاولة تجربة التخصصات التي لم أكن لاستكشفها لولا ذلك الشعور، مثل حماس الطفل ذو ٣ سنوات إذا أعطيته الاذن بفتح دواليب لا نهائية مليئة بالطباشير وأقلام التحديد وأقلام الرصاص والعصي والألوان والفرش والطين وغيرها من الأدوات، وقلت له بأنه يمكنه صنع ما يشاء بتلك الأدوات.

سمحت لي الرقابة والمحظورات الاجتماعية التي كانت تمثل عوائق بالنسبة لي كفنان بأن أجد طرقاً أكثر ذكاء للعمل حول موضوعات معينة وتوصيل الأفكار بطريقة أبسط. كل ما أقوم بتضمينه في أعمالي الفنية موجود لغرض معين. إن أحد أهم الأشياء التي تعلمتها من كوني شرق أوسطي و مما تعلمته من المشاركة في برنامج اتصالات هو القدرة على ايصال الأفكار بلغة عالمية مرئية، فهناك أوجه تشابه بين ثقافات العالم أكثر من اختلافاته. لقد واجهت تحدياً في إيصال الأفكار، لأن ما كان منطقياً بالنسبة لي لم يكن بالضرورة لغيري من الزملاء والأساتذة. 

‏ Life Drawing )٢٠٢٠) – من كراسة الفنان

س.م.: هل يمكنك التحدث عن عملك Non-Perishable (٢٠٢٠) حيث استخدمت السخرية لشد الانتباه إلى التجاوزات في مجتمعنا. ما الذي أردت حقيقه لدى الجمهور وما الانطباع الذي رغبت بتركه حين مشاهدة عملك؟ 

ع.ج.: أريد لفت انتباه المشاهدين إلى الأهوال التي نرتكبها بحق البيئة بينما أحشو هذه الحقائق بالسخرية. هدف اللوحات التي تشبه ملصقات الإعلانات هو إضحاكك بينما تترك فيك إحساساً بالموت الوشيك ما يجعلك ترغب بالبكاء من الداخل. إن حقيقة وضع كوكبنا اليوم مقلقة للغاية ويمكن أن يكون الموضوع بجانب قضايا أخرى صعب الهضم، ولهذا السبب اخترت استخدام الفكاهة كوسيلة تواصل. فعن طريق توعية الشخص العادي بكيف أننا نلحق الضرر بهذا الكوكب فيمكننا بشكل جماعي البدء في اتخاذ قرارات مدروسة و هادفة بخصوص عاداتنا الاستهلاكية. إن مستقبلنا ومستقبل لكوبنا ليس بيد الحكومات والشركات إنما كمجموعة يمكن أن نساهم أو نعكس أثر التلوث وتغير المناخ. كل واحد منا لديه الخيار والقدرة على إحداث التغيير. 

س.م.: حسابك في انستغرام @artbyobadah هو مزيج من مشاريعك المهنية و التعاونات ورسوماتك الشخصية. هل يمكنك التحدث عن مجتمعك فيه، خاصة بعد تأثر العروض الفنية بجائحة كوفيد ١٩ ؟

ع.ج.: لقد وجدت مجموعات من منظمي الرسم الحي عبر الانستغرام في العام الماضي والتي شاركت فيها بانتظام لحد ما. لهذا فقد كان من المستحسن رؤية فنانين من خلفيات مختلفة يجتمعون معاً عبر الانترنت للرسم لقرابة الساعة أو ساعتين ثم رؤية ما نتج عن موضوعنا. ولهذا وجدت مجتمعاً لطيفاً هناك. كما أن مجتمع الانستغرام هو امتداداً لمجتمعي في الحياة الواقعية. 

س.م.: أنت تعمل على مشاريع حسب الطلب وصور افتتاحية،  فكيف تحافظ على هويتك المميزة في هذه الأعمال؟ 

ع.ج.: دخلت مجال الرسوم التصويرية للمنشورات عن طريق ترشيح أحد الأصدقاء الرسامين لي. بالنسبة لتتمة السؤال فأنا أستمتع أكثر بالعمل على الرسوم التصويرية لأنني بذلك أعمل من الناحية المفهومية. عند عملك على مقال تحريري، يمكنك أن تقرأ مقالة مصاحبة أو مادة مكتوبة يمكنها أن تؤدي لظهور الكثير من العناصر المرئية لتساعدك في الرسم. إنه ممتع أيضاً لأنه لديك الكثير من الحرية للخروج بمفهوم و حلول مرئية. أستمع لما يدور في خلد العميل وما هي أهدافه ثم أحاول العمل داخل هذا الاطار. اذا كانت لدي أفكار أو طرق استكشاف مشروع مثيرة للاهتمام، فإنني أناقش ذلك مع العميل. عادةً ما يكون هناك مجالاً للتعبير والتأثير الفردي. لا أشعر بالضرورة أن لدي "هوية مميزة" لذلك فأنا مرن تماماً في كيفية التعامل مع المشاريع واختبار المواد التي أعمل بها، مع ذلك أتأكد دائماً من عدم نسخ أو سرقة أعمال مصممين آخرين. أعتقد أن المسؤولية تقع على عاتقي وعلى المصممين الآخرين لثقيف عملاؤنا والبقاء صادقين مع من نحن كمبدعين. 

س.م.: من هم أكثر الرسامين التصويريين الذين تحبهم ؟

ع.ج.: آندريه كاريلهو ومايك ميتشل و باو فام وإدوارد كينسيلا وسام ويبر. 

س.م.: ما هي مشاريعك القادمة لهذا العام التي تتطلع لها؟ 

ع.ج.: انتهيت مؤخراً من مساعدة صديقي العزيز مهند شونو بتركيب فني تم إنتاجه لمهرجان نور رياض السنوي للمدينة. انني متحمس جداً لرؤية نتاج العمل وكيف يبدو بعد تثبيته واكتماله. أعمل أيضاً على سلسلة Non-Perishable  وإنتاج إعادة مشتقة من الأعمال الحالية. 

كذلك تم قبولي مؤخراً في برنامج إقامة مساحة، التابع لإقامة مسك الفنية ومقره الرياض، أنا متحمس جداً للأمر. هو عبارة عن برنامج للإقامة الداخلية من قبل معهد مسك للفنون لدعم تطور الفن وتعزيز إمكانيات التبادل بين الفنانين والمجتمع المحلي والمشهد الثقافي العالمي. 

‏Arc Technologies Organs Pha Liver (٢٠٢٠) – جزء من السلسلة القائمة (غير- القابلة للتلف)

www.obadahaljefri.com
www.instagram.com/artbyobadah


0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like
Read More

غزة سِرف كلوب

ضمن جولاته في العالم العربي، ينطلق الفيلم الوثائقي الطويل غزة سِرف كلوب للمخرجين فيليب نات وميكي يمين في…
Read More

دن‭ ‬غاليري الكويت

يضم‭ ‬معرض‭ ‬دن‭ ‬غاليري،‭ ‬المنشئ‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬٢٠١٥،‭ ‬بين‭ ‬جدرانه‭ ‬أعمالا‭ ‬لفنانين‭ ‬معاصرين،‭ ‬عارضا‭ ‬أساليب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭…
Read More

بون ‬آب

 ‬ يعمل‭ ‬ثلاثي‭ ‬نسائي‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سيدات‭ ‬اسكندنافيات‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬مشكلة‭ ‬الطعام‭ ‬الفائض‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬وجبة‭ ‬تلو‭…
Read More

سارة طيبة

منذ‭ ‬طفولتها‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬العاشرة،‭ ‬كانت‭ ‬الرسامة‭ ‬السعودية‭ ‬سارة‭ ‬طيبة‭ ‬تعرض‭ ‬للعالم‭ ‬لمحات‭ ‬من‭ ‬مسارها‭ ‬الوظيفي‭ ‬المستقبلي،‭ ‬حيث‭…
Read More

اينكد

اينكد‭ ‬هو‭ ‬مطعم‭ ‬لا‭ ‬يشابه‭ ‬ما‭ ‬اعتدت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬مطاعم،‭ ‬إذ‭ ‬يركز‭ ‬عبر‭ ‬أفكاره‭ ‬المتجددة‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬تجارب‭…