كلمات: ياسمين محمّد
الصور: ٢٣ درجة شمالًا
الترجمة العربية: دلال نصر الله

نتعرف في هذا المقال إلى ٢٣ درجة شمالًا – وهو مكتب استشارات معماريّة حاصل على جوائز عدّة، وقد أطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى إحداثيات مدار السرطان الذي يمر بسلطنة عمان – من خلال مقابلة صريحة وحيوية مع المعمارية نادية بنت مقبول اللواتيّة الشّريك المؤسّس والرّئيس التّنفيذي للشّركة. تقول المعمارية نادية لكاتبة خليجسك ياسمين محمّد: "كما عرفت مؤخّرًا أنّ درجة ميلان محور الأرض هي ٢٣ درجة، وأنا أحب الغموض والفضول اللذان يولّدهما هذا الاسم؛ له رنين ودلالات كثيرة". الاسم يدل على مغزاه من خلال تكريمه لجذوره العمانيّة وإحالته للمستقبل، داعمًا المؤسّسة من خلال الاحتفاء وتقدير المتخصّصين المحليين، ودعم الاستدامة بشدّة. "المعمار احتفاءٌ بالمكان، وهو ما آمنّا به دائمًا" تعلّل نادية بحماس. 

من كونها أوّل امرأة معتمدة في منطقة الخليج إلى الاحتفال مؤخّرًا بعقد كامل من العمل. رحلة اللواتيّة مثيرة للاهتمام، رحلة نستسقي منها دروسًا قيّمة في اكتشاف الذّات وريادة الأعمال والقيادة. في مقابلتنا التي دامت ساعة من الزّمان، تمكّنّا من التّعرّف على: حياة معماريّة ماهرة نصفها عماني ونصفها بيروفي، وأم فخورة. 

ياسمين محمّد: ما سبب اختيارك للعمل في مجال الهندسة المعماريّة؟

نادية اللواتيّة: يُطلب من تلاميذ المرحلة الثّانوية عادة الاختيار بين متابعة الدّراسة في المجال العلمي أو الأدبي. أمّا اليوم، فازدادت مسألة الاختيار تعقيدًا، إذا تطرح مسألة إذا ما كانت استكمال التّعليم العالي ضرورة للنّجاح في الحياة. لا أجد أنّ اختيار التّلاميذ لأحد المجاليْن عادلًا، لكل شخص درجات مختلفة التّحليل والقدرات الفنيّة، ويجب أنْ تشجيعهم على الإلمام بهما. هذا ما أردته لنفسي على وجه الخصوص. أردتُ مسارًا مهنيًّا يمكن أنْ أمارس فيه الفن والتّعبير، والفيزياء على سبيل المثال في آن واحد. تجمع الهندسة المعمارية المجاليْن بالنّسبة لي، وهذا اخترتها.

ي.م.: ألاحظ أنّك درستِ في مدرسة غلاسكو للفنون، وكليّة بارتلت للهندسة العمارة. هلّا حدّثتني قليلًا عن. سنوات الدّراسة الجامعيّة؟

ن.ل.: درست في عمان، ثمّ تحصّلت على منحة لمواصلة دراستي في الخارج. هنالك شيء طريف في القصّة. أساسًا، كانت المنحة مخصّصة لي للسفر ودراسة العمارة. ولسبب ما، أشارت التّرجمة العربيّة في الأوراق إلى الهندسة المعماريّة عوضًا عن ذلك، ولم أدرك ذلك إلّا حين وصلت إلى المملكة المتّحدة، وانتظمت في الدّراسة في الهندسة المعماريّة! بعد استكمال السّنة. التّمهيديّة أدركت أنّ التّخصص لا يُلائمني. دوامة التّواصل مع السّلطات في وطني لتعديل مسمّى تخصصي كان بداية طريق طويل وشاق. فور انتقالي للعمارة، وجدت أنّي افتقر للمهارات الفنيّة مقارنة بزملائي، وهو ما عرقلني. بالكاد كنت أخطّط! بإمكانك تخيّل الرّعب الذي شعرت به حين ذهبنا للمعارض لتخطيط الأروقة والأقواس. أجهل كيف صمدت في ذلك اليوم. أتذكّر أنّي أدركت أنّ فردانيّتي وتفرّدي محتفى بها، كوني المحجبة العربيّة الوحيدة من عرقين مختلفيْن آنذاك. هذا صحيح لأنّ العمارة تتأثّر تأثّرًا كبيرًا بالثّقافة والطّبوغرافيّة. كان في ذلك. تمكين فعلي منحني ثقة كبيرة بنفسي. 

ي.م.: حديثك في TEDx Qurum كان بعنوان: كيمياء الماهيّة، وتكلمتِ فيه بجمال عن الصّدق مع الذّات. كيف يطبق يمكن تطبيقه على مسارك المهني وحياتك اليوميّة؟

ن.ل.: لقبان مثل: أول معماريّة معتمدة في الخليج العربي بأكمله، والحاصلة على جائزة ريادة الأعمال الوطنيّة ٢٠١٤ لأوّل مشروع صغير في القطاع الخاص، ستصبح ثقيلة بسرعة. اختيار أمر للاحتفاء به ينطوي على مخادعة. الفارق بيْن الألقاب الخاوية والأهليّة الحقيقيّة يكمن في القيمة المضافة. لفترة من الزّمن، سمحت لهذه الألقاب بتعريفي، وآمنت بفكرة مريحة للمجاملة بغرور. السّعي للفوز بمشروع معيّن يعني النّأي عن تلك القاعدة. بعد التّمعن، سرعان ما أدركت أنّ هذه الألقاب لا تعني الكثير بعد زمن من ناحية الكسب والعمل. بتمحيص قيمي الحقيقيّة، وما يجلبه عزمي للواقع، وما يُؤمن عملائي بقدرتي على إنجازه، اكتشفت قوّتي الحقيقيّة وأنّ ما يميّزني هو الالتزام المجتمعي. لأنّ عُمان ما زالت دولة نامية، ورغم أنّ ٢٣) درجة شمالًا(عمرها عشرة أعوام تقريبًا، إلّا أنّنا غير قادرين على منافسة مكاتب الاستشارات التي تسبقنا بسنوات من ناحية الخبرة.

أنا عُمانيّة، نشأت على هذه الأرض، وأتحدث لغتها، وأفهم ثقافتها، وتأثرها بزمانها ومكانها وشخوصها، وسأُبقي مصلحة النّاس في قلبي. سأتولّى المسؤوليّة التّامّة لتنفيذ المشروعات التي أتشاركها مع عملائي، وسأتمكّن من خوض كل ما يتطلبه الأمر للاستمرار. هذا هو جوهر (٢٣ درجة شمالًا). لوقت طويل، رفضت هذه الحقيقة لشعوري بأنّها ليست كافية. في الواقع، بمجرّد تخطّيك لذلك التّصادم الدّاخلي، وإيمانك بأنّ ما تعرفه مثالي لك، ستصبح مُجهّزًا لخدمة الآخرين وذاتك.

ي.م.: أعلم أنّ هناك رابطة أسريّة بينك وبين ستوارت كاونت شريكك في العمل. بودّي التّعرف على رأيك في إيجابيّات وسلبيّات العمل مع الأقارب.

ن.ل.: سأسهب في الإجابة عن هذا السّؤال. أجل، كان ستوارت زوجي. أعظم إيجابيّات مؤازرته لي هو استمتاعي بدوري الأمومة بشكل أكبر. في أوّل عاميْن من حياة أطفالي، كرّست وقتي بشكل تام لهم وهذا أحد أفضل القرارات في حياتي. يساور الأمّهات العاملات تأنيب الضّمير على الأغلب. سواء أطلبن إجازة أمومة أو حاولن التّوفيق بين المسؤوليتيّن، للإنجاز فوارقه الدّقيقة. أدركت دائمًا أنّي أريد أن يكون لي دور فاعل في حياة أبنائي، ولم أرغب في الاعتماد على المربيّة بكثرة لإيجاد الوقت لعملي. لم يكن ذلك ليحدث لولا دعم ستيوارت.

الآن، جني العوائد من عمل ما نحب هو من المثالب. الاعتماد على هذا العمل وحده لجني الدّخل له ثمنه الباهظ علينا. مصارعة التّحرر من الإيمان بوجود فخامة في كوننا "فنانين نعاني" كان تحديًّا كبيرًا بالنّسبة لي خاصّة. لدى العملاء انطباع بأنّ خدماتي مجّانيّة، وأعي الآن مدى مساهمتي في ذلك. قلقت في معظم الأحيان إذا كانت خدماتنا تستحق مجموع العائد الذي نجنيه، ثمّ أدركت أنّ القيمة التي نوفّرها أكبر من القيمة الرّمزيّة المدفوعة نقدًا. كما ضخّمت جائحة كوڤيد-١٩ من حجم المشكلة أيضًا، لكنّها انطوت على نعمة؛ أُجبرنا جميعًا على التّفكير فيما لم يعد ناجحًا في أنظمتنا، وجعلنا نُنفّذ حلولًا إبداعيّة جديدة.

مكتب ٢٣ درجة شمالًا ، تصوير مصطفى ظفر

ي م: ما سبب أهميّة قيمة الاستدامة بالنّسبة لـ (٢٣ درجة شمال)؟ وكيف نُفّذَت في التّصميمات؟

ن.ل.: في الوقت الذي كنت أنا وستيوارت نخطّط فيه لتأسيس (٢٣ درجة شمالًا) أسْلَم. كان يستكشف الرّوحانيّة والعلاقة مع الله عزّ وجل من خلال العمارة أيضًا. يتطرّق الإسلام للإدارة واستخلاف الإنسان في الأرض. بالتّالي، فإنّ تطبيق الاستدامة كقيمة لم يكن حاجزًا حقيقةً. في الغرب، الابتكار في الاستدامة قد جذب اهتمامًا ملحوظًا لأنّ هذه الحلول ستقود الحكومات لتوفير الكثير من المال. في هذا الجانب من العالم، لأنّنا ننعم بحكومات تموّل موارد الطّاقة، والاختيارات المستدامة تلقى دعمًا أقل بكثير. ولأنّها تكنولوجيا حديثة نسبيًّا، فتعتبر استثمارًا مكلفًا في المقام الأوّل. الحال يتبدّل بلا شك كلّما تقدّمنا في تخلينا عن الصّناعات المعتمدة على النّفط. سنُجبر عمّا قريب على التّفكير في ضوء الشّمس كمصدرٍ للطّاقة. في (٢٣ درجة شمالًا) نتقاسم ذلك الخيار من خلال التّأكيد على أنّ أساسيّات الاستدامة – كونها معزولة – مُطبّقة في جميع مشروعاتنا. بكل بساطة، لن نقبل أي مشروع يعارض العملاء هذا المفهوم، وقد خسرنا بالفعل فرصًا لتمسكنا بذلك المبدأ. تعلمنا في مسيرتنا أننا إذا أردنا تأسيس مشروع تجاري فيجب أن نخوض التّحديات، والتّحدّث مع صُنّاع القرار. التّفاوض على الحلول المستدامة هو ببساطة عبارة عن محادثة مع القادة الذين يجرؤون على التّفكير بهذا المفهوم الجديد، لا الإدارة المتوسّطة.

ي.م.: ما هو مشروعكِ المفضّل ولماذا؟

ن.ل.: هذا سؤال سهل. (مركز أوتورد باوند للتدريب في صحراء عُمان) وأنشئ عقب مشروعه يطابقه: المدرسة الفرنسية في مسقط، وهو أوّل مبنى بتمويل حكومي في سلطنة عمان يعتمد على الطّاقة الشّمسية، وقد دشّنه صاحب السّمو السّيد فيصل بن تركي آل سعيد. من خلال توجّهنا للطّاقة الشّمسيّة كليًّا تمكّنا من توفير ١٠٠ ك تقريبا، ويقع وسط الصحراء، على بُعد ١.٧ كم من أقرب شبكة كهرباء. لا يمكنني التّقليل من أهميّة دور العميل هنا. العميل الذي يعرف ما يُريد وضع ثقته في المعماري هو بمثابة الأصول التي لا تقدّر بثمن. 

ي.م.: لنتكلّم عن الجوائز التي حصدها مكتب (٢٣ درجة شمالًا)، وما تعنيه لكِ؟

ن.ل.: يجب أنْ تملأ استمارة لتكون مؤهّلًا لنيل جائزة. الجوائز الكُبرى تحفّز المرء للتّمعّن في عمله والأنظمة الموجودة في هذه الأسئلة، وهو ما حدث في جائزة ريادة الأعمال. فضلًا عن الفوز بلقب حقيقي قد قلب العمليّة برمّتها لـ (٢٣ درجة شمالًا). كما كان التّقدير عظيمًا لأنّه جعلني قدوة لرائدات أعمال أخريات في قطاع الخدمات. أمّا جوائز ميد لجودة الخدمات MEED)) فهي للأنشطة الصّناعيّة التي ميّزتنا عن أقراننا في منطقة [الخليج]. وفيما يخص جائزة القائد الشّاب العالمي (YGL)، فقد فتحت عينيْ على هذا المجتمع اللطيف الدّاعم. لقاء قادة آخرين تجمعنا اهتمامات مشتركة، ومناقشتهم في قضايا عالميّة بتحضير مُسبق حيوي، ويتيح إمكانية إظهار مواطن الضعف بلا أحكام. 

ي.م.: ما هي خططك المستقبليّة لـ (٢٣ درجة شمالًا)؟ 

ن ل: قبل الجائحة، خطتنا كانت الحفاظ على هُويّة البيئة مع التّركيز بشكل كبير على الهوية العمانيّة. بما أنّنا معتمدون، ولدينا علاقات دوليّة مستمرّة، وقضينا زمنًا طويلًا في التّعرّف على من شركات استشارات تشبهنا في الميول والأفكار، وأسهمنا في مشروعات ضخمة في عُمان والخليج العربي. الآن، وفي محاولة لدراسة الوضع الرّاهن [جائحة كوڤيد١٩] بعقلانيّة وتفاؤل، نستخدم كل إبداعنا ومعرفتنا في مملكة الأعمال والتّمويل للنّجاة من الأمواج المتلاطمة التي تبحر سفينتنا بينها بهدف توسيع نطاقنا.

ي.م.: برأيك ما هو سبب نجاح أي معماري طموح جاد؟

ن.ل.: حافظ على دافعك وفضولك وحماسك فيما تريد إنجازه، وكل يوم جديد لهو بالغ الأهميّة. تجنّب الاستخفاف مهم أيضًا. استثمر في فريقك وحافظ على تفاؤله وروح التّعاون. كلّما حافظت على شعلة الإلهام في داخلك، تحسّنت الأمور. 


www.23degreesn.com
www.instagram.com/23degreesn


0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like
Read More

غزة سِرف كلوب

ضمن جولاته في العالم العربي، ينطلق الفيلم الوثائقي الطويل غزة سِرف كلوب للمخرجين فيليب نات وميكي يمين في…
Read More

دن‭ ‬غاليري الكويت

يضم‭ ‬معرض‭ ‬دن‭ ‬غاليري،‭ ‬المنشئ‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬٢٠١٥،‭ ‬بين‭ ‬جدرانه‭ ‬أعمالا‭ ‬لفنانين‭ ‬معاصرين،‭ ‬عارضا‭ ‬أساليب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭…
Read More

بون ‬آب

 ‬ يعمل‭ ‬ثلاثي‭ ‬نسائي‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سيدات‭ ‬اسكندنافيات‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬مشكلة‭ ‬الطعام‭ ‬الفائض‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬وجبة‭ ‬تلو‭…
Read More

سارة طيبة

منذ‭ ‬طفولتها‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬العاشرة،‭ ‬كانت‭ ‬الرسامة‭ ‬السعودية‭ ‬سارة‭ ‬طيبة‭ ‬تعرض‭ ‬للعالم‭ ‬لمحات‭ ‬من‭ ‬مسارها‭ ‬الوظيفي‭ ‬المستقبلي،‭ ‬حيث‭…
Read More

اينكد

اينكد‭ ‬هو‭ ‬مطعم‭ ‬لا‭ ‬يشابه‭ ‬ما‭ ‬اعتدت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬مطاعم،‭ ‬إذ‭ ‬يركز‭ ‬عبر‭ ‬أفكاره‭ ‬المتجددة‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬تجارب‭…