كلمات: د. عبد الرحمن الغنام
الرسومات: مهجبين أحمدي


من كان يتخيل بأن خدمة توصيل الأفلام للمنازل (دي في دي) أن تنافس استوديوهات هوليوود والمهرجانات السينمائية الأوروبية وأن تهدد المنظومة الأخلاقية والإنتاجية للأفلام كما نعرفها؟ كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن نتفليكس وتأثيرها، فبعضهم وصل به الأمر إلى المطالبة بمنعها ولدورها في تهديد منظومة القيم العربية والبعض أشاد بدورها الفاعل في تعزيز صناعة المحتوى المحلي العربي. فبين هذا وذاك، كيف يمكن أن نفكر في نتفليكس وتصاعد أهميتها الثقافية والاقتصادية في العصر الحديث؟

التدفق أحادي الاتجاه للمعلومات

لعل من أبرز الآثار التي أحدثتها العولمة هي في تدفق المعلومات في اتجاه واحد غير عادل (one-way flow of information) والذي سهل من وصول وتأثير الأيديولوجيات الغربية وخاصة الأمريكية على دول العالم الثالث. حيث تعتبر وسائل الإعلام من أبرز الأدوات التي استطاعت فيها أمريكا أن تحكم هيمنتها على العالم من خلال المحتوى – مثل البرامج التلفزيونية، والأفلام والمسلسلات. فمثلاً، انتفعت استديوهات هوليوود من توزيع أعمالهم في أغلب الأسواق العالمية عملاً باتفاقيات التجارة العالمية ومبدأ التجارة الحرة بين الدول (free-trade). وأيضاً استطاعت شبكة سي إن إن (CNN) من توسيع نطاقها وتكون متواجدة في عدة مناطق وأقاليم خارج أمريكا مع تحول الإرسال التلفزيوني من البث الأرضي للأقمار الصناعية منتصف الثمانينيات.

ساهمت تلك الوسائل والتغييرات العالمية بالتنظير لمفاهيم جديدة وكيف أن العالم يعيش كـ"قرية صغيرة" تبث فيه الأخبار والمعلومات عبر حدود الدول وحدود القوانين المحلية وفق معايير الثقافة الأمريكية "الإمبريالية الثقافية". أصبحت وسائل الإعلام والثقافة شكلاً جديدة للهيمنة السياسية الذي عانت منه معظم الشعوب، خصوصاً في الدول النامية – لتحل القوة الناعمة بديل للقوة العسكرية في تلك الدول. 

نتفليكس تعقد من هيمنة هوليوود

بلا شك أن السياسات الإعلامية المحلية واستخداماتنا اليومية عززت وساهمت من تلك الهيمنة الثقافية الغربية على مستوى المحتوى المستورد من الخارج. فعلى سبيل المثال، ارتبط لدينا أن المسلسلات المحلية يتم مشاهدتها في القنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية والمتاحة بشكل مجاني، بينما الأفلام والمسلسلات الأجنبية لا نمانع أن ندفع من أجل مشاهدتها سواء في السينما أو المنصات المدفوعة.

على الرغم من وجود بعض المآخذ على مفهوم الإمبريالية أو الاستعمار الثقافي إلا أنها منظور مهم لشرح طبيعة العلاقة الهرمية بين وسائل الإعلام والتقنية الأمريكية وأسلوب عالمي للثقافة وصناعة المحتوى. في ظل استراتيجية شركة نتفليكس بالاستثمار بالمحتوى الجديد من مختلف دول العالم، والخسائر الكبيرة لهوليوود بسبب الأزمة العالمية والتجارية بين أمريكا والصين فإن الهيمنة الثقافية الأمريكية لم تعد حكراً على استديوهات هوليوود والتي جعلت من الأمريكي بطل خارق ولا يأبه المخاطر. اذاً أن هناك تقاطعات وتداخلات تعيد تشكيل مفهومنا للعلاقة بين استخدامات الأفراد والمحتوى الأجنبي في ظل العصر الرقمي. 

يمكن القول إن هناك موجة جديدة من العولمة والاستعمار الثقافي يقودها نموذج نتفليكس والذي يكرس ويرسخ لثقافة جديدة أحادية عالمية باستخدام التعددية الثقافية (Multiculturalism). فنتفليكس بدأت تغير في أسلوب وأدوات الهيمنة الثقافية الأمريكية من خلال الاستثمار في الأفلام والمسلسلات من مختلف الدول والثقافات، ليصبح البطل في المسلسلات والأفلام هو شخصٌ عادٍ وغير أمريكي ومعتقداته ليست بالضرورة ذات طبيعة دينية أو وطنية.

هل تتعامل الدول مع نتفليكس على أساس أنها مجرد منصة رقمية مدفوعة؟ 

في عام ٢٠٠٧، تحولت نتفليكس إلى منصة رقمية قبل أن تتوسع إلى كندا في ٢٠١٠م ووصولاً إلى أكثر من ١٩٠ دولة في ٢٠١٩م معلنة بذلك أنها خدمة عالمية. بنظرة سريعة لمواقف بعض الدول على دخول نتفليكس ومنافستها للخدمات التلفزيونية المحلية يتضح لنا التباين في تعامل الحكومات مع نتفليكس. فبينما أتاح الإنترنت والثورة الرقمية للاتصالات لسهولة وصول وتدفق المعلومات فإنه جعل من عملية السيطرة عليها أكثر تعقيداً على مستوى الأفراد والدول.

ففي أوروبا، الموقف المستخدم ضد نتفليكس – كشركة أمريكية – هو وجوب انصياعها للتنوع الثقافي والمحافظة على الموروث الأوروبي من المنافسة غير العادلة مع أمريكا. حيث شُرِع نظام جديد في ٢٠١٦ يقضي بفرض قيود على محتوى واستراتيجية نتفليكس في الأسواق الأوروبية، حتى ولو كان على حساب إعادة برمجة الخوارزميات لإبراز المحتوى الأوروبي بدلاً من قيامها بتوصية المستخدمين بناء على سلوك مشاهدتهم. 

في حين تؤمن  كندا  بفرض قيود على أي من منصات الفيديو الرقمية حسب الطلب، ليس ضروري انتشار وتجويد الأعمال الثقافية الكندية حيث أنها تتعارض مع مبدأ الأسواق الحرة والإبداع الرقمي. حيث وقعت حكومة كندا في ٢٠١٧م مع نتفليكس عقد لإنشاء مركز انتاج واستثمار مبلغ ٥٠٠ مليون دولار كندي في المحتوى الكندي خلال خمس سنوات، حيث تؤمن كندا أن نتفليكس تساهم في استكشاف وتسويق أعمال محلية جديدة قد يكون لها شأنًا عالمياً.

مع اختلاف طريقة تعامل الحكومات الأجنبية مع نتفليكس، إلا أن هناك إجماع بضرورة اتباع طرق جديدة لبسط السيادة الوطنية عبر الإنترنت من خلال الاهتمام بالمحتوى المحترف والغير محترف في المنصات الرقمية لتحقيق الصالح العام. يجب أن يكون لدينا موقفًا واضحًا من نتفليكس واستراتيجياتها وكيف لمشروعها العالمي أن يساعدنا على  توصيل ما نريده للعالم.

نتفليكس واهتمامها بذائقة المجاميع 

فمن المعلوم أن نتفليكس توظف الخوارزميات للتعامل مع بيانات المستخدمين في منصتها الخاصة وتشكيل استراتيجيات الشركة بناء على ما يرغب به الجمهور. حيث توفر مكتبة تنفليكس وكتالوجاتها التي تبدو متغيرة باستمرار لمستخدميها إمدادًا مستمرًا بالمحتوى الفني الجديد والمعروض في قالب سينمائي لجعلهم متعلقين بالمنصة من فترة لأخرى وعدم البحث عن محتوى جديد في مكان آخر. أحد المكونات الرئيسية لاستراتيجية الشركة تتمثل في محتواها الأصلي. حيث تعتقد نتفليكس إن الطريقة الأهم لكسب وإرضاء شريحة كبيرة من الجماهير حول العالم هو بصناعة محتوى جديد حصري وليس فقط الحصول على حقوق توزيع وعرض الأفلام والمسلسلات من هوليوود وغيرها.

طريقة مهمة تستخدمها نتفليكس في طريقة عرضها للمحتوى في مكتبتها الرقمية وهي التخصيص -personalization. حيث يسمح التخصيص بحساب عدد البرامج والأفلام التي شاهدها المستخدم وتحسين مقياس مشاهدة الأفلام والمسلسلات الجديدة التي تنتجها الشركة في منصتها- والتي قد يكون أنتجت بميزانية أقل من افلام استديوهات هوليوود- ولكن تم ترويجها وتوصيتها عبر الخوارزميات للمستخدمين الذين يتوقع تفضيلهم لمشاهدة مثل تلك الأعمال. بمعنى آخر، إن نتفليكس قد تهدد ديمومة صناعة الأفلام والمحتوى التقليدية والتي تعتمد على النقاد والنجوم.

هل استهلاكنا للمحتوى الأجنبي يعني بالضرورة أننا لا نريد مشاهدة الأعمال المحلية او الخليجية؟

ما يشاهده الجمهور في نتفليكس قد لا يتوافق بالدرجة الأولى مع نظرية الاستعمار الثقافي وأن ما يتعرض له هو المحتوى الأمريكي فقط. ففي حين أن هناك طلباً عالياً في العديد من الدول للأفلام والمسلسلات باللغة الإنجليزية – حيث نجحت نتفليكس في إنتاج أعمال درامية وكوميدية باللغة الإنجليزية أكسبتها جمهور على نطاق واسع مثل Stranger Things  The House of Cards- فإن إنتاجات نتفليكس الغير أمريكية مثل Money Heist و Dark حققت أرقام مشاهدات عالية وهذه أشاره على رغبة الجمهور في تجربة أنواع وقصص جديدة متى ما وزعت وعرضت بشكل مميز.

أيضاً، فكما اعتاد الجمهور الخليجي على المحتوى الأجنبي، هذا لا يعني أنه يرفض المحتوى المحلي مرة واحدة. بل في  الواقع،  لا يختار الجمهور بين المحتوى المحلي والعالمي ولكنه يحاول الجمع بين الاثنين في حياته اليومية، فهو يتنقل بين هذه المقاييس في أوقات مختلفة ولأغراض مختلفة. خير مثال على ذلك فيلم الغموض الكويتي "إن بارادوكس" (٢٠١٩، حمد الصراف)، الفيلم الكوميدي الإماراتي "أزمة مالية" (٢٠٢٠، راكان) والفيلم الكوميدي السعودي "شمس المعارف" (٢٠٢٠، فارس قدس) وجميعهم  استطاعوا الوصول إلى قائمة أفضل ١٠ أفلام مشاهدة في الأسبوع الأول من عرضهم على المنصة.

النمط العام هو أن الجماهير لا تزال ترغب في منصة تتحدث  لغتهم الخاصة، وتحتوي على الوجوه المألوفة وتعرض قصص ذات صلة بثقافتهم، ولكن في ذلك منافسة مستمرة بين نتفليكس والمنصات التلفزيونية المحلية والذين قد يكون لديهم فهم أعمق لما يريده و يستميله الجمهور المحلي. لذلك نتفليكس والمحتوى الأجنبي ليسوا ببدائل عن المنصات التلفزيونية والرقمية الأخرى والمحتوى المحلي، بل هي مكملة لهم. 

هل نتفليكس المنصة السائدة الأبرز حول العالم؟

مما لا شك فيه أن نتفليكس وبحكم التسعيرة الموحدة التي صممت بناء على المجتمعات الغربية ذوي الدخل المرتفع ليست متاحاً للكل في المنطقة العربية وبحكم تفاوت طبقات المعيشة واختلاف الوصول الجيد إلى الإنترنت السريع. لذلك هي تظل خدمة متخصصة في معظم البلدان منخفضة الدخل وليست بالخدمة السائدة التي يتعرض لها معظم السكان. 

نتفليكس وبدون أدنى شك استطاعت أن تكون المنصة الأبرز حول العالم- خاصة في ظل الظروف التي تفرضها الجائحة حول العالم- وهذا يعزى إلى نموذج عمل الشركة المتفرد، مما أدى إلى تكوين اسم وعلامة تجارية قوية وقاعدة عملاء حول العالم ولديها الكثير لتضيفه في العالم العربي. نتفليكس قد تعتبر حالياً بأنها نافذة مهمة لمشاهدة العالم موروثنا الثقافي الخليجي العربي وأهم حاضنة لتسريع عجلة الإنتاج المحلي و تحسين اشكال رواية وإخراج القصص فيها.

ولكن بمجرد أن يدرك الفرد قوة الخوارزميات على اختياراته وعلى صناعة الأفلام والترفيه بشكل عام، يتفطن أن الطموحات العالمية للشركة تثير القلق إلى حد ما. يجب ألا نغفل ماذا يعني استعمار نتفليكس للمحتوى المحلي في تحديد وتشكيل مستقبل الإنتاج الثقافي بشكل عام والذي يجب تقديره واحترامه في حد ذاته وليست مجرد مشروع لكسب المزيد من الاشتراكات والثروة.


د. عبد الرحمن الغنام هو أستاذ مساعد في قسم الاتصال والاعلام بجامعة الملك فيصل المملكة العربية السعودية. تشمل اهتمامات الغنام البحثية تطور الصناعات الثقافية والسينمائية في منطقة الخليج العربي. نشر الغنام عدد من الأوراق البحثية وكان أخرها مبحث خاص عن تطور السينما الخليجية ضمن كتاب الاقتصاد السياسي للسينما المحلية (بيتر لانج، ٢٠٢٠) ومحرر مشارك لكتاب الإنتاج السينمائي في منطقة الخليج العربي (مركز الأدب العربي، ٢٠٢٠). يحمل الغنام درجة الدكتوراه في الدراسات السينمائية من جامعة سانت أندروز بالمملكة المتحدة عام ٢٠٢١م كما تحصل على درجة الماجستير في الاتصال الجماهيري من جامعة سنترال ميسوري بالولايات المتحدة في عام ٢٠١٤.


twitter.com/abdulrahghannam
instagram.com/mahjabeen.ahmedi


0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like
Read More

نور مبارك الصباح

ولدت من أم أمريكية واشتهرت على الصعيد العالمي باقتنائها للأعمال الفنية تحت اسم الشيخة بولا الصباح، نور مبارك…
Read More

سالم فيصل القاسمي

مع اكتساح قطاع الصناعات الإبداعية لمنطقة الخليج العربي، حيث بدأنا نشاهد تصاعداً في أعداد استوديوهات التصميم والتي بدأت…
Read More

عهد العمودي

تصوّر‭ ‬رجلا‭ ‬يلبس‭ ‬الثوب‭ ‬و‭ ‬الشماغ‭ ‬مغطى‭ ‬بالرمان‭. ‬الخلفية‭ ‬من‭ ‬وراءه‭ ‬لها‭ ‬أيضا‭ ‬نفس‭ ‬التصميم‭. ‬يتوقف‭ ‬المارة‭ ‬عند‭…