إن لتقدم الشعوب وتطورها إنعكاساً واضح على منتوجها الحضاري والاقتصادي وبصمة فارقه في عالم بات يتسابق قاطنيه للوصول إلى قمة حضاريه لم تكتشف بعد، وهذا ما نلحظه في مجتمعنا الخليجي والعربي ككل، فنحن كدول عالم ثالث نحاول جاهدين أن نخرج من بوتقة الصفوف الأخيرة إلى مقاعد الصف الأول، ولكن الكثير ممن امتطوا صهوة الطموح الجامح وآخرون ممن حلقوا خارج السرب قد فسروا التطور والحضارة بأفعال هي ابعد ما يكون عن التعريف الحقيقي لها، والضحية هنا كانت تلك التقاليد التي احملها وتحملها ويحملونها مع اختلاف درجة التمسك بها ومدى الوعي بأهميتها، فنكروها كي يتحضروا وينظر لهم بعين الاحترام كما يظنون، ولو فكروا قليلاً لأدركوا أنهم وصلوا بأنفسهم إلى تطور فارغ من الداخل وحضارة منقوصة وهشه، ونظرة إزدراء من كل أجنبي أحس بمدى خطورة الخطأ الذي ارتكبوه وأدرك انه التخلف بعينه، إذ أن التقاليد والعادات القديمة هي في أصلها لبنة لكل تقدم سيحدث فيما بعد فكيف اعترف بالثمار وأنا ناكراً للشجر!

إن تقاليدنا وعادات أجدادنا هي حضارة وتقدم في زمنهم المنصرم وما نحن عليه الآن ما هو إلا استكمال لما مضى وإن كان هناك اختلاف بين الأمس واليوم ومتطلبات العصر التي قد تفرض علينا التبلور داخل إيطار معين يتناسب مع المنظومة الاجتماعية المتحضرة إلا إننا نجد انه في اغلب الدول المتقدمه والمتقدمة جداً تقديس لعاداتهم وتقاليدهم ونلتمس ذلك في إدخال شيئاً منها في أفراحهم، وكذلك الأيام التي يخصصونها خلال السنة لأحياء ذكرى عادات قديمة لشعوبهم، وذلك تكريماً لأصل حضارتهم الحالية وبيان تفاصيلها لأبنائهم والتباهي بها أمام الملأ وأهمية ترسيخها في جدار الذاكرة والزمن، ولم يشعروا ابداً بنوبات الخجل أو العار من ذلك رغم ما وصلوا إليه من تقدم وازدهار، فإلى متى نحن العرب سنظل ناكسين رؤوسنا لنرى الأشياء بالمقلوب، ونقرأ جزء من النص ثم نقف، لنؤلف ما تبقى منه حسب أهوائنا وأمزجة مفاهيمنا المغلوطة، وهذا ما جعلنا ننسلخ شيئاً فشيئاً عن العروبة التي نجسدها، لنظهر أمام العالم عراه معتقدين أن التقدم ومواكبة المتغيرات ساتراً إلى حد يكفي لإخفاء ذلك الانفصام الذي نحمله تجاه تقاليد كنا نمارسها وبتنا نخشى أن يفتضح أمر وجودها في حياتنا وان نتهم بالتخلف والرجعية، وهذا اصبح واضح في أفراحنا ومناسباتنا وتعاملاتنا مع بعضنا أو حتى مع من لا يعرف عن تلك التقاليد شيء، إذ نجد المناسبات لدينا اصطبغت بصبغة الغرب وفكر الغرب وللأسف تقاليد الغرب ايضاً، انا لست ضد فكرة الاقتباس، فشيئاً من تقاليدنا وآخر من ذاك لا ضرر فيه وهذا كي أكون مرنه أكثر مع من يستهويهم التغيير مع تحفظي على المبدأ من الأساس.

ولكن ما أنا ضده وبتزمت هو عملية النسخ واندثار ما يميزنا عن غيرنا من الشعوب من أمور كانت تنظم سير حياتنا ذات يوم وعادات انغرست في تصرفاتنا فلازمتنا طيلة قرون فكلنا يرفض أن يكون إمعه، وكم اشعر بنشوة الفرح عندما أشاهد من هم من أبناء جلدتي أو من دول مجاورة عربية لازالت تلك العادات تحتضن نمط حياتهم، وترتسم على محياهم معالم الرضا والفخر بذلك المرجع وتلك التقاليد، فعندما ازور مسقط رأسي في جنوب المملكة اشتم رائحة الولاء في ثياب أهلها وعبق الانتماء في رداء جدتي وعصابة رأسها، كذلك عندما افتح التلفاز لأضعه على القناة الكويتية مثلاً وارى الرداء المميز للرجال عندهم الذي لا يزال علامة جودة لا تدل إلا عليهم فقط دون غيرهم، ومراسم الزواج في بعض المناسبات التي لا يزال يوم الحنه ركن أساسي من أركان هذه المناسبة والتي تنقش فيه الفرحة على قلوب الحاضرين قبل ان ينقش الحنه على يد العروس.

كثيرة هي عاداتنا التي تشكل ملامح حضارتنا، فلكل دولة خليجية وعربية تفاصيل في جوفها تفاصيل أدق، إذ أن الدولة الواحدة تضم العديد من التقاليد المسلم بها والتي تجعلنا نعرف إن كان ذلك الشخص ابن الشمال منها أم ابن الجنوب أو الشرق أو الغرب لأنها بمثابة البصمه، فكل فئة تحمل بصمة قد تتشابه مع قريناتها ولكن يبقى للفرق وجود، وهي بالفعل مؤسسه لما بعدها من تطور، والنتاج من الحديث أنني والكثير ممن يؤيد ذلك لا نفرض على كل من يحمل هذه التقاليد أن يطبقها بحذافيرها وان لا ينقص منها شيء، بل نطالبه  بأن لا ينكرها ويثبت وجودها ولو بالذكر فقط للتعريف عنها، وعن مرافئ الجمال فيها المطلة على سواحل العراقة المليئة بلآلئ العادات المستوحاة من وحي الطبيعة البشرية، فحتى شعوب البربر الذين لم يكن لهم موطن أساسي لم يتخلوا عن تقاليدهم ودونوها في مخلفاتهم، فكيف بنا نحن الدول الممتدة من الشرق إلى الغرب وذوي الأعراق المتعددة الأصيلة؟ فمن المؤلم جداً أن يكون بيننا من ينفي ذلك لأي غريب أو مستكشف لديارنا، وان يظهر له تطورنا بشموع المسيحية في أفراحنا ورقصات الغرب وما تحتويه كؤوسهم!

– احلام معوضه القحطاني
labanda_-11@hotmail.com

0 Shares:
Leave a Reply

Your email address will not be published.

You May Also Like