احتفلت منظمة اليونسكو بالذكرى الثمانمِئة لولادته، واعتبرت عام 2007 عامَه، لما تميّزت به أشعاره وفلسفته من قيم التسامح والمحبّة بين بني البشر. هو محمّد بن محمّد بن حسين بهاء الدين البلخيّ، أديب وفقيه ومنظِّر وقانونيّ وصوفيّ، اشتهر بالروميّ لأنه قضى معظم حياته في تركيا لدى الروم، ولد في بلخ – أفغانستان (603هـ – 1207م)

تستجدّ الحاجة إلى دراسة جلال الدين الروميّ، لما يحمله إرثه الإنسانيّ من قيم عظمى ومثل حضاريّة وتجدّد عابر للزمن، ولما ينفتح عليه من معاصرة وإنسانيّة، وهو الذي ذاعت شهرته الآفاق، وأدهش الشرق والغرب سواء بسواء
عاصر جلال الدين الرومي في طفولته أجواء تاريخيّة أليمة بسبب الاجتياح المغولي لمنطقته، إذ هجرت عائلته موطنها لتستقرّ في قونية بتركيا، وأصبح والده بهاء الدين أستاذاً يدرّس في جامعة قونية، تلقّى جلال الدين تعليمه الروحي المبكر تحت إشراف والده وبعد ذلك تحت إشراف صديق والده سيد برهان الدين البلخي، وبعد ذلك قضى أكثر من أربع سنوات في دمشق وغيرها حيث درس مع نخبة فكريّة، ما أكسبه تعمّقاً في الفقه والتصوف

خلّف جلال الدين العديد من الآثار النثرية والشعرية، النثرية هي «المجالس السبعة» وموضوعها مواعظ وخطب، كتبها قبل أن يعتنق الصوفية فكراً وعملاً، وكتاب «فيه ما فيه» ويحتوي أحاديث ومحاضرات ألقاها على تلاميذه ومريديه، ثمّ مجموعة رسائل كتبها إلى أقاربه وأصدقائه، أمّا الشعرية فتمثل الجانب الأهمّ من إبداعه، وله ديوان أكثر قصائده غزليات صوفية كتبت بالتركية والعربية واليونانية والفارسية، وهناك الرباعيات التي تعدّ محور اهتمام الدارسين فضلاً عن ديوانه الأشهر «المثنوي» ويقابل ذلك النظم المسمّى بالمزدوج بالعربية.
بسبب انتماء الروميّ إلى الحضارة الإسلامية، فإنّه يجد اللغة العربية لغته الحضاريّة، وبرغم أن لغته الأدبية هي الفارسية، فقد حاول أن يجسّد ذلك الانتماء في نثر وشعر عربيّين نجدهما في آثاره المختلفة، وليس من الغريب أن ينشد شاعر كالروميّ أشعاراً باللغة العربيّة، لأنّه كان متفقّهاً في القرآن متفهّماً معانيه دارساً ومفسّراً، علاوة على تفقّهه في الحديث

يتميّز شعره الوجدانيّ بالعاطفة الجياشة الحارة، وهو يدأب على الحديث عن أهمية الإنسان في هذا الكون ويرسم مثلاً عليا للحياة الإنسانية، وقد خلّف الرومي تراثاً من الوصايا في الحب وتداوله، باعتباره الحبّ حقيقة الكون والطبيعة والحياة والإنسان والعالم، ومن دونه تفقد الحياة بريقها وألقها وبهجتها، وتتوقّف عن العطاء، وله قول شهير: "ما كانت السماء لتصفو، لو لم تكن في حالة عشق. وما كان النهر ليجري، ولصمت، إن لم يكن في حالة عشق. وما كان لشيء أن ينمو، لو لم تكن الجبال والأرض في حالة عشق"

العشق الذي يتحدّث عنه الروميّ سامٍ وعظيم، والحبّ عنده مركز العالم، نجده يصف الحبّ قائلاً: "إنه كالغصن، حين يغرس في القلب فيثمر على قدر العقل". ويرى "أن الحب، هو استغلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من محبوبك، فالحب يسقط شروط الأدب". كما يعرّف الحب قائلاً: "يعني أن تميل بكلك إلى المحبوب، ثم تؤثره على نفسك وروحك ومالك ثم توافقه سراً وجهراً ثم تعترف بتقصيرك في حبه". ويجد الحبّ أسّ الحياة وأساسها المتين الذي يكفل الديمومة السليمة، يقول: "إنّ الحبّ، هو هتك الأستار وكشف الأسرار". ولا يقدّم الروميّ تعريفاته للحبّ بعيداً عمّا قد يتخلّله من بعض الهنات، ولا يتغافل عمّا قد يستهلّ به الحبّ، وذلك حين يقول: "إنّ الحبّ أوّله ختل وآخره قتل"
وفي أشعاره وأقواله في الحبّ ينطلق من فلسفة التوحّد والحلوليّة، ويمكن تأويل طروحاته تأويلاً أدبيّاً، ما يضفي عليها أبعاداً أخرى من الاتّساع والشموليّة، ففي مثنويته يقول: "جاء الحب/ هو مثل الدم في عروقي وفي لحمي/ وقد أفناني، وملأني بالمعشوق/ والمعشوق تخلل كل خلية في جسدي/ ومني لم يبق سوى اسم، وكل شيء آخر هو هو"

يركّز جلال الدين الروميّ على الروحانيّة وما وراء الظواهر، يتبدّى ذلك في قوله: "إنك قد رأيت الصورة ولكنك غفلت عن المعنى" وينطلق في دعواته إلى تدبّر المعاني وتفهّمها من مزاوجة بين الروح والجسد، وعدم إهمال أو تهميش أحدهما، "ولكن ما الصورة إذا جاء المعنى؟" ولا يتجاهل الحقائق الوجوديّة، أو يحلّق في عوالم غرائبيّة، بل ينطلق من الواقع ويعاود الرجوع إليه: "ليس في العالم خيال دون حقيقة" كما يحرص على محاسبة المرء لنفسه، وصونه لسانه، يتبدّى ذلك في حكمته، وهو يخاطب فمه، مكنّياً به صاحبه: "أيها الفم، إنك فوهة الجحيم"
وكما يحتلّ الحبّ حيّزاً كبيراً من اهتمامه، فإنّ القيم الإنسانيّة الأخرى تتكامل في فكره الإنسانيّ النيّر، وتكون رؤاه عابرة للزمن، متجدّدة لأنّها حمّالة القيم العظمى، متجرّدة عن الضغائن، متسامية، فنجد أنّ الحرية شرط رئيس للحياة عند الروميّ الذي كان دائم التركيز على الحرّيّة كقيمة عظمى، نجده يخاطب في الإنسان روحه الحرّة التائقة للحرّيّة: "..ولتحطم القيود، ولتكن حرًا يا بني"

استطاع استقطاب الكثير من ديانات وملل أخرى، وذلك بسبب تفكيره المرن المتسامح، لأنّه كان ينطلق من قيم الإسلام السمحة التي كان يؤمن بها، لذلك فقد اهتم المستشرقون بآثاره، وافتتحت في الغرب تخصصات أكاديمية عكفت على دراستها، وقبل سنوات قليلة سجلت مبيعات ترجمة بعض أشعاره أكبر حصة في الولايات المتحدة الأمريكية

وافت المنية جلال الدين الرومي في (672 هـ،1273م) عن عمر بلغ نحو سبعين عامًا، ودُفن في ضريحه المعروف في قونية بتركيا وقد كتب على الضريح مقطع شعريّ يخاطب به زوّاره قائلاً

"يا من تبحث عن مرقدنا بعد شدِّ الرحال
قبرنا يا هذا في صدور العارفين من الرجال
ما أسعد تلك اللحظة حين نجلس في الإيوان، أنا وأنت!
نبدو نقشين وصورتين، ولكننا روح واحدة، أنا وأنت!
إن لون البستان وشدو الطيور يَهَبُنا ماءَ الحياة
في تلك اللحظة التي نذهب فيها إلى البستان، أنا وأنت!
وتُقبِل نجومُ الفلك رانيةً إلينا بأبصارها
فنجلو القمرَ نفسَه لتلك الأفلاك، أنا وأنت!
أنا وأنت، من دون أنا وأنت، نبلغ بالذوق غاية الاتحاد
فنسعد ونستريح من خرافات الفرقة إلا أنا وأنت

 -عبدالله ميزر

0 Shares:
Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You May Also Like