غرف الدردشة تملأ صفحات الإنترنت بكل ما فيها من غرف الدردشة الصوتية والكتابية  والفيديو، تخبئ في ثناياها عوالم متشعبة من حيوات أناس عانوا من واقعهم، فلم يجدوا إلا هذا العالم الافتراضي ليشبعوا فيه بعضا مما لا يستطيعون قوله في عالمهم الحقيقي لنوازع وضغوط وقيود اجتماعية وأخلاقية ونفسية عديدة

وحسب العديد من التيارات الفلسفية التي دخلت صميم تجربة الإنسان وبحثت عن الأسباب التي تقف وراء القضايا السيكولوجية المتعددة، باعتبار أن الإنسان كائن وجودي، كان التيار أو الفلسفة الوجودية التي تضع تبريرات لهذه المواقع، كون الإنترنت عموما بما فيها من مواقع الدردشة خصوصا هي الأكثر صدقا وحقيقة من العالم الحقيقي الذي نعيشه، لكن لم هذا الاعتقاد؟

في العالم الحقيقي نضطر إلى المجاملة وعدم إبراز عيوب بعضنا بعضا بأية صيغة كانت، كما نراوغ دائما في رؤية الحقيقة، كون العلاقات الاجتماعية الموجودة سيتهدد مصيرها، باعتبار أننا نتكيف لا إراديا مع مجتمعاتنا حتى لو كان هذا التكيف على حساب قناعاتنا الشخصية، ومن لم يتكيف سيكون الحرمان في انتظاره، وبالتالي العزل عن المجتمع، حيث النفي إلى الإنترنت وتلك الغرف

إن الكثير يتزوج عبر هذه المواقع وينجب أطفالا، وهذا الحديث معروف للجميع، لكن القضية ليست هنا بالتحديد، بل بتبيان الناحية النفسية للأشخاص الذين يرتادونها وماهية حاجاتهم ودوافعهم وكيفية إشباعها بكافة الطرق. هذا إذا لم نصنف هذه الغرف إلى تقسيماتها المعقدة وطريقة عرض المواضيع فيها، وهل بالإمكان طرح موضوع مفيد أم لا؟
إذا، الوضع هنا مختلف تماما، فليس من أحد يلمح أحدا، وليست من عيون تتواجه. لذا، تكون فرص التعبير عن الذات أكثر رحابة فيها

هذا الحديث يدلنا إلى مقولات بعض الفلاسفة الذين أكدوا أن الإنترنت واعتمادا على ما سبق هو الحقيقة، بينما عالمنا هو اللاحقيقة

قد يكون الأمر مبالغا فيه لدرجة كبيرة، لكن لننظر إلى الكأس في نصفها الفارغ وليس الملآن لنستكشف الأضرار التي تخلقها غرف الدردشة، ولاسيما على فئة الشباب الذين هم أكثر الفئات ارتيادا عليها

غير جنسك إن أردت

فضاء مدهش ذلك العالم الغارق باللامبالاة والفراغ الثقافي المرعب.  إنه حوار بين جيل ربما انسجم مع بعضه الآخر أو اختار لنفسه حياة ترتكز على دعائم مصنوعة من الوهم والهروب من قارورة الأخلاقيات المتجذرة، ولا سيما في إطلاق اللسان بكل ما هو غير مألوف

فضاء يمثله بعض الشباب ممن امتهن عادة ارتياد مقاهي الإنترنت أو حتى في منازلهم، بكل رباطة جأش، في سعي حثيث لإشباع فضولهم المكبوت بطريقة غير سليمة ناتجة عنها آفات لا حصر لها.  فهم "بدردشتهم" هذه ساروا في طريق شائكة، ليتحول هذا الكلام الذي لا معنى له والمتبادل ما بين الجنسين إلى كذب يتجدد مع مرور الأيام، فيصبح أبطال "غرف المحادثة" من أولئك الذين يصطدم رأسهم بحجارة واقعهم، لكن بعد فوات أوانهم

العادة – جرت – أن تسجل كلمة "دردشات" في أي محرك بحث، ليتولى هذا الأخير مهمة البحث عن جذور الكلمة وحيثياتها، ثم لتظهر على الشاشة مواقع عدة لها كتابية كانت أو صوتية أو فيديو، وبعد أن تطالب باسمك المستعار تكون قد دخلت إلى هذه الغرفة، وما أدراك كيف تكون؟

أشخاص كثر وأسماء غريبة وعجيبة مثل "شيبس" و"الزعيم" و"…" و…، فضلاعن صور تختارها بعيد استضافتك من قبل "الشلة"، وقد تبدأ المحادثة كالآتي

‏S: هاااااااااااااااااي
البنوتة: أنا بنت يا حلو
الزعيم: ممكن نتعرف يا بنوتة؟؟
أنت بنت ولا شب؟ :JACKO

ففي الوقت الذي تكون فيه شابا "مشورب"، تقول: "أنا بنت"، وهكذا تستمر المأساة والضحك على الذقون لمراحل متعددة ومتقدمة مع الاحتفاظ بالنبرة النسائية الناعمة في حال كانت المحادثة صوتية، وعدم عرض الصورة، لأن
النتائج ستكون وخيمة إذا ما كشف المستور و"بان المرج" كما يقال

أي بلاء هذا؟

ساعات طوال يقضيها هؤلاء الشباب في وهم وكذب، فالإنترنت بناحيته السلبية، تشكل غرف الدردشة الصفحات الأكثر إقبالا بعد صفحات الإباحة، فهل الأسباب نفسية أم اجتماعية أم ثقافية أم لأسباب استثنائية أخرى ترى فيها هذه الفئة المتنفس الوحيد لها إلى هذه الغرف المجهولة الهوية لأناس يعملون ويشرفون عليها ليل نهار من أجل الوصول للمبتغى النهائي؟

كما أن مدى سطحية المتحدثين فيها تبدو واضحة للوهلة الأولى، وسعة صدورهم للأسماء الأنثوية تعزف لحنا أبديا بإيقاع لا يخلو من بروز الغرائز الجنسية

في إحدى المرات عندما دخلت إلى chatroom لأول مرة، أطلقت على نفسي اسما ذكوري وحاولت جاهدا ومرارا الحديث مع أحدهم بموضوع معين، لكن اسمي هذا حال دون ذلك، فقررت تغيير اسمي إلى "كاترين" في المرة المقبلة، ولك أن تتصور شدة الإقبال، فالجميع يريد محادثتي ورضائي، ويومها كم كنت متحمسة – عفوا متحمسا – لإجراء حوار مفيد ومجد مع أحدهم، لكن "فالج ولا تعالج"، لأن عاصفة الجهل المخيف كانت قد داهمت ثقافتهم ليعيشوا في فقر دائم، فالإجابات تافهة والكلمات ساخرة وحقيرة، وكأنها غرفة دعارة

كائنات كتابية

نحن أمام قضية الحاجات المكبوتة عموما في عالمنا العربي، فلن أبالغ حين أقول أن نسبة 90% ممن يفتحون دردشات مع غيرهم تكون أغراضهم جنسية بحتة، فليس من حدود في هذه المواقع وخاصة أن العواطف أصبحت كتابية والآهات كتابية حتى أن ضحكتنا تحولت إلى ضحكة كتابية (هههههه)، وربما سنتحول يوما ما إلى كائنات كتابية، فنحن نضحك على النت وفي هذه الغرف بالصيغة الكتابية، بينما نحن في الواقع نبتسم أو حتى لا نبدي أية ابتسامة

والآن هل كنت موضوعيا أم مثالا للتشاؤم؟

لا تغضبوا مني يا أصدقاء الدرب، قد تكون لهذه الغرف فوائد لن أغض الطرف عنها، تتمثل في أخد قسط من الراحة والمتعة وتحقيق صداقات وعلاقات مابين الجنسين لا أعرف ما عي طبيعتها بالضبط

آلجي حسين –
‏Alchy-husein@hotmail.com

0 Shares:
Leave a Reply

Your email address will not be published.

You May Also Like