“أنا أفكر…إذاً أنا موجود" قالها ديكارت منذ زمن طويل، ورغم معرفة الجميع بهذه المقولة وصاحبها، إلا أننا جميعاً نتفق على الوجود، ولكننا لا نتفق على التفكير، فالوجود شيء لا يمكن إيقافه وتعطيله، وكذلك كان التفكير في الأزمان السابقة، أما في وقتنا الحالي فقد أوقفنا التفكير، وجعلنا لكل تفصيل من تفاصيل حياتنا أشخاص آخرون يقومون بهذه المهمة بدلاً عنّا، فنظرة واحدة في منزل من منازلنا نكتشف كيف أنّا تخلينا عن التفكير الذي ما ميزنا عن غيرنا من الكائنات الحية إلا به، ضرورياتنا وكمالياتنا هي من صنع الآخر وتفكيره، هي من حاجته لها التي أدت إلى اختراع الكهرباء والهاتف والتلفزيون والراديو والسيارة والكمبيوتر ، ونحن إن كنّا نصنع شيئاً في هذه الحياة فنحن لا نصنع إلا المشكلات ، ونبدع في صنعها وترويجها محلياً وعالمياً، نحول حياتنا ووجودنا من فرصة ثمينة غير متاحة لكثير من الناس إلى سلسلة مشكلات وقضايا تبحر بنا في سفينة لا أرض لها ولا قرار، فصحفنا اليومية خير دليل على نمط حياتنا التعيس ودوامة من الهموم ندور فيها شئنا أم أبينا ، ولا أحد قادر على إيقافها، وحتى من يستطع أن يوقفها لا ندعمه ولا نبدي له اهتماماً ، فكثير من شبابنا الطموح قد أدركوا قيمة التفكير والعلم في عالمنا المعاصر، واخترعوا من الأجهزة والأدوات المفيدة، ولكن إن استوقفت أحداً في الشارع وطلبت منه ذكر اسم أحد هؤلاء الشباب الأكفاء، لما ذكر لك أحداً منهم ، هذا إذا لم ينفِ لك وجود عقولاً نيّرة في مجتمعاتنا ، في حين هو قادر على سرد عشرات القضايا التي يشتعل بها الشارع المحلي. أسفٌ كبير يملأ أحرف كلماتي حين أتحدث عن وضع مؤلم بالنسبة لي، وغير مهم  بل لا يستحق الاهتمام عند المسؤولين عن بناء المجتمعات وتنميتها، وكأنهم اختصروا معاني التنمية في حجم الترف والرفاهية التي تعيشها الأجساد، وتفرّغ العقول من أهداف وجود العقول نفسها لدينا .

حوّلنا حياتنا من فرصة ثمينة لإثبات وجودنا وقدراتنا التفكيرية والإبداعية، إلى صراعات تكفيرية ومذهبية، لا تسمن ولا تغني من جوع، وكأننا وجدنا لنتصارع لا لكي نتعاون في صنع حياة إيجابية تعود بالفائدة على الإنسانية جمعاء .

هي فرصة لا تتكرر مرتين، فلنملأها بالطموحات التي تبني أوطاناً وأمجاداً، فلنملأها بالقراءة التي صنعت حضارتنا الإسلامية، بالإرادة التي تدفعنا إلى الأمام، بالتفكير الذي به نوجد ومن دونه نفنى.

    هنادي الشمري-

0 Shares:
Leave a Reply

Your email address will not be published.

You May Also Like