تأسست دولة الكويت في القرن السادس عشر منذ ما يقارب الأربعة قرون وازدهرت عبر السنوات لتكون حلقة وصل تجارية مهمة تربط ما بين دول الجزيرة العربية وما يقابلها. يذكر المؤرخون أن منطقة دولة الكويت تعد محطة تاريخية لعدة حضارات سابقة للتاريخ إذ تم العثور على العديد من الآثار التي تعود لتلك الحضارات مثل الحضارة الهلنستية واليونانية، وشهدت أيضاً العديد من المعارك والأحداث الفيصلية في التاريخ الإسلامي والعربي مثل معركة ذات السلاسل في كاظمة شمال الكويت بين المسلمين والفرس وأيضاً معركة جبل وارة حيث سالت دماء من قمة الجبل حتى أسفل الوادي. امتهن الكويتيون منذ بدء استيطانها مهنة الغوص على اللؤلؤ والصيد وحرفة صناعة السفن، وأصبحت الكويت في زمن ما ميناءاً رئيسياً لكل السفن العابرة من جميع المناطق المجاورة إذ يذكر المؤرخون أن ساحل الكويت كان لا يخلو من أساطيل السفن المصطفة من كل حدب وسفن.

وبسبب تلك الطبيعة التجارية المحتضنة غدت محطة عبر منها من عبر واستقر فيها من استقر ما أدى ذلك إلى وفرة وتنوع في الديموغرافية الكويتية وتلونت الثقافات والمرجعيات في تلك الدولة الصغيرة. واشتهرت بعض الأحياء القديمة بعد بناء السور الأول وتلا ذلك بناء السور الثاني، ويعتبر تاريخ دولة الكويت زاخراً بالأحداث التاريخية الفيصلية في مصير الإقليم ما جعلها قبلة للعديد من الرحالة المستشرقين والمهتمين بدراسة هذه المنطقة. 

ورغم أهمية موقع الكويت الجغرافي واهتمام أهلها وروادها بكل ما يرتقي بهم نحو الريادة إلا أن المصادر والوثائق التي تحفظ تاريخ الكويت قليلة ومحدودة خاصة في تلك الحقبة الخمسينات وما سبقها، وهي المشكلة التي واجهت د. عبد المطلب البلام لدى رجوعه للوطن بعد حصوله على شهادة الدكتوراه والإيعاز إليه بمهمة تدريس تاريخ العمارة في الكويت. يعد الدكتور عبد المطلب أحد أهم المعماريين المتميزين في الكويت الحائزين على شهادة الدكتوراه في فن العمارة والتصميم عن طريق الحاسوب من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس (UCLA)، تخرج سنة ٢٠٠٤ وعاد للكويت ليدرس في جامعة الكويت في قسم العمارة وكان آنذاك قسماً حديث الافتتاح يفتقر للمصادر التي تعنى بتاريخ العمارة في الكويت. ولأن رب ضارة نافعة كما يقول المثل، كان ذلك النقص في المصادر دافعاً له لأن يبحث في كل المصادر التاريخية أدبية كانت أو جغرافية وحتى اجتماعية ليضع منهجاً لتلك المادة، ومن هنا كان الإلهان لأن يسخر موهبته بتصميم المدن الافتراضية باستخدام الكمبيوتر – وهو ما كان يمتهنه إبان أيام دراسته في لوس أنجلوس- لوضع تصميم افتراضي لمدينة الكويت القديمة.

ولأن العمل لاقى استحساناً وصدى واسعاً طلبنا نحن أسرة خليجسك من الدكتور موعداً للالتقاء به ليحدثنا عن رحلته في إعادة إعمار المدينة إفتراضياً وماهي أبرز الأحداث التي واجهته في عمله الجبار هذا.

أنفال المطيري: حدثنا عن نفسك مؤهلاتك و بداياتك واهتماماتك.

د. عبدالمطلب البلام: اسمي د. عبد المطلب فيصل البلام تخرجت بشهادة البكالوريوس في فن العمارة سنة ١٩٩٦ من جامعة لويزيانا، عملت بعدها في شركة SSH للاستشارات المعمارية، بعدها حصلت على بعثة من جامعة الكويت لاستكمال شهادة الماجستير والدكتوراه في مجال العمارة وبالتحديد التصميم عن طريق الحاسوب Computer Aided Design في الولايات المتحدة الأمريكية. مهتم جداً بتصميم أشكال جديدة في العمارة عن استخدام أشكال هندسية بدمج الخطوط العربية. اعتبر أي ثورة صناعية حقيقة في البلد تكون نقطة بدايتها من الحرفيين ذوي الصناعات الصغيرة التي تعني بتصميم منتجات تحل مشاكل يومية بسيطة.

أ.م.: ماذا عن طفولتك و نشأتك و بداياتك. والأحداث التي ترى أنها رسمت مستقبلك؟

ع. ب.: ترعرعت في منزل كبير يحتضن عائلة كبيرة تعني بالفن وكان منهم أخي وابن عمي إذ برعوا بفن الرسم وتصميم الوسائل وكان ذلك دافعاً لي لأن أتنافس معهم وأتعلم ولاحظت ميلي منذ ذلك الحين إلى الفنون والتصميم واكتساب المساحات وتوظيف الزوايا ما دفع بوالدي لأن يطلب مني في سن الخامسة عشر أن أصمم له بيته وهو الحدث الأوضح بالنسبة لي الذي جعلني أشعر ببراعتي في هذا الجانب ودعمتني ثقة والدي لأن أعرف منذ ذلك الوقت أنني سأمتهن كل ما يتعلق بفن العمارة. ومن الأمور التي ساعدت لدفعي لتذوق الفن هو برنامج كان يبثه تلفزيون الكويت تحت عنوان "الفنان الصغير" وفي يستضيف محمد الشيخ الفارسي النشأ ويستعرض انتاجاتهم الفنية من لوحات ومجسمات وكل ما يعني بالفن وتلك نوعية من البرامج الهادفة التي نفتقدها الآن.

أ.م.: ما الذي دفع بك لاختيار تخصص العمارة خاصة وأنه تخصص حديث نسبياً تم تدشينه في جامعة الكويت.

 ع. ب.: لم يكن هذا التخصص متوفراً أيام دراستي الثانوية، ولم أكن مطلعاً بشكل تام على العمارة كتخصص أكاديمي إذ كل ما كنت أعرفه أنني سأنطلق في أي مجال يحتوي على التصميم، وكان في ظني أن الهندسة المدنية هو التخصص المنشود خاصة أنني كنت من ألمع الطلاب المتفوقين في مجال الفيزياء والرياضيات. كان من المعتزم أن ألتزم في صفوف تخصص الهندسة المدنية في جامعة الكويت وأيضاً أن أشارك في تمثيل دولة الكويت في أولمبياد الفيزياء في أمستردام ١٩٩٠ ولكن الغزو العراقي الغاشم داهمنا فلم أستطع لا التنافس ولا بدء الدراسة، ولأن رب ضارة نافعة قررت حكومة دولة الكويت خاصة مع التوجه نحو إعادة الإعمار بعد أضرار الغزو و إعادة بناء البنية التحتية المهترئة لجامعة الكويت، قررت أن تبتعث مجموعة من الطلاب لدراسة العمارة للولايات المتحدة وكنت من ضمنهم وبعد ممارستي للتخصص اكتشفت أن هذا هو التخصص الذي كنت أريد منذ صغري.

أ.م.: هل واجهتك صعوبات لدى بداية وصولك لدراسة فن العمارة في الولايات المتحدة؟

ع. ب.: بالطبع، جئت محملاً بحمولة ثقافية واسلوب تعليمي يعتمد بشكل رئيسي على التلقين لأجدهم ينادون بالتفكير خارج الصندوق وتفكيك المفاهيم المعتادة عن الجمال الذي ينحصر بالتناسق وإنما استطاعة الانسان على إيجاد الجمال في القبح وعدم الاتساق. وهو ما طور تفكيري بشكل كبير وجعلني في بحث محموم عن البحث عن الجمال في الأشكال الجديدة ما مكنني من التخرج بمرتبة الامتياز وكنت الأول على الدفعة بمجموعة أعمال مميزة ما دفع بجامعة UCLA لأن تبدي حاجتها لي.

أ.م.: فكرة إعادة إعمار مدينة الكويت القديمة افتراضياً لاقت صدى واسعاً على كافة الأصعدة، ما الذي أشعل فتيل الإلهام لدى الدكتور عبد المطلب لتنفيذ تلك الفكرة، عرفنا بها وحدثنا عن الصعوبات التي واجهتها خلال مسيرتك.

ع. ب.: مثلما تعرفون مسبقاً، بدأت الفكرة إبان تحضيري لمادة تاريخ العمارة في الكويت لدى رجوعي من رحلة استكمال شهادة الدكتوراه، وفوجئت بقلة المصادر ما دعاني إلى أن أفكر خارج الصندوق. عثرت على صورة جوية لدولة الكويت تعود إلى عام ١٩٥١، ولكنها كانت فقط عبارة عن كتل صماء لا تفاصيل كثيرة بها طابقتها فيما بعد بخريطة الباحث والمؤرخ التاريخي محمد عبد الهادي جمال وخرائط أخرى للمؤرخ زكريا الأنصاري ومن ثم استطعت قياس الظلال الموجودة في تلك الصورة لحساب الأبعاد و أطول المباني. تركت الموضوع مدة من الزمن حتى وجدت لوحات فنان اعتبره شخصياً كنزاً لا يعوض، الفنان أيوب حسين الأيوب وهو فنان كويتي من الخمسينات يرسم الفلكلور و لوحاته تحاكي لوحاته الحياة اليومية للفرد الكويتي قديماً، فتجد مجموعة من الأطفال يلعبون الألعاب التقليدية أو نساء في طريقهن إلى السوق أو رجال في معمعة العمل.

والمميز بكل هذا أن الأيوب كان يرسم لوحة حية مليئة بالتفاصيل بالإضافة إلى البيئة الحضرية في الخلفية المحيطة بهم من مباني وبيوت وحواري والتي اكتشفت أنها أماكن حقيقة ومباني كانت موجودة بعد مطابقتها وتكاد تكون دقيقة جداً عدا بعض الأخطاء البسيطة كخطوط المناظير وهو ما ساعدني بشكل كبير في تحديد ملامح المدينة آنذاك. بعد ذلك اتجهت إلى الرحالة الغربيين وكيف وصفوا الكويت. ثم قابلنا العديد من كبار السن الذين عاصروا تلك الحقبة بعضهم توقى قبل بدء المقابلات وبعضهم أثناء ذلك ولكننا استطعنا تجميع معلومات كافية للبدء ببناء المدينة الافتراضية. بدأنا بفريج الشيوخ وفريج الخوص في السور الأول رغم سريته نوعاً ما ولكننا استطعنا تحديد الملامح بفضل الصورة الجوية. بعد ذلك انتقلنا للسور الثاني والتي تبدأ من مقبرة هلال فجحان المطيري شرق ثم فريج سعود الغربي وتحته دروازة عبدالرزاق. و بالتعاون مع ١٠٠ شخص تنوعوا ما بين طلبة بكالوريوس ودراسات عليا في العمارة و ما بين المتطوعين. وبفضل كل تلك الجهود استطعنا إعادة بناء المدينة والمشي في أرجاءها افتراضيا وفهم أغلب الأحداث التاريخية التي وقعت بمساعدة التكنولوجيا والنظارات الافتراضية. وتعد تلك المدينة الوحيدة التي تم إعادة بنائها جذرياً في الشرق الأوسط. 

أ.م.: ما هو الهدف الذي تبتغي تحقيقه من وراء هذا العمل؟

ع. ب.: ابتدأ الأمر كمجهود شخصي ما لبث ان أصبح هاجساً لأنني اعتبر ان هدم المدينة القديمة جريمة فادحة ومنذ ذلك الحين لم يتم بذل أي مجهود لفهم تلك المدينة وتوثيقها وهذا ما وضعناه على عاتقنا كقسم العمارة في جامعة الكويت. هدفي الرئيسي هو تأسيس وإنشاء مصدر رئيسي موثوق كموسوعة لمدينة الكويت القديمة للأجيال القادمة وكل المهتمين بمساعدة التكنولوجيا. ليس فقط للمهتمين بمجال العمارة -حيث سيمكنهم المشروع من اقتباس بعض الأساليب القديمة- وانما لكل من يود الكتابة عن الكويت سواء أديب او سيناريست حتى تكون أعمالهم مدعمة بأماكن وأحداث دقيقة فيستطيع القارئ او المشاهد العيش في تلك الحقبة.

أ.م.: هل توجد لكم طموحات للتفرع من هذا المشروع؟

ع. ب.: بالطبع، بدأنا بذلك عندما عرضنا الخريطة في مجمع التسوق والأن الطموح للمشروع تصوير أفلام وثائقية مهمة عن مدينة الكويت القديمة حيث نحلق فوقها و نذكر كل الأحداث التاريخية و الحياة اليومية البسيطة. أيضاً إنشاء متاحف افتراضية مهمة للجيل الحالي حتى يفهم ويرتبط بماضيه. أيضاً نود بناء مجسم للمدينة ليتسنى للأطفال التسكع بها كما العديد من المنشآت المماثلة حول العالم. هناك أيضاً فكرة لمستثمر لبناء جزء من المدينة في مكان ما ولكن لا نستطيع الإفصاح عنها في هذه المرحلة.

أ.م.: كيف كانت ردود الأفعال على عرض الخريطة؟

ع. ب.: حصلت على ردود أفعال إيجابية بالغالب، رؤية الناس بمختلف أعمارهم يحوطون الخريطة في محاولة لتحديد مواقع أسلافهم، رأيت رجلاً مشيباً يحبو فوق الخريطة بمعية حفيده ليحدد موقع منزل العائلة. لدي أيضاً صديق كان يائساً من وضع البلد و يشعر بالغربة وسط وطنه وعدم الانتماء ما أن رأى بيت عائلتهم القديم محدداً على الخريطة عادت له مشاعر الانتماء و حدثني عن جذوره المتأصلة هنا في هذه الأرض ولكنه غفل عن ذلك مع انخراطه بالسياسة ومعمعة الحياة. بالطبع تلقيت بعض ردود الأفعال العنصرية التي تنكر وجود بعض العوائل والأصول وتشكك بصحة الخريطة رغم تحرينا الدقة في تحديد قاطني تلك المنازل آنذاك لكنها ولله الحمد قليلة و محدودة.

أ.م.: هل هناك أي إضافة قبل أن نختم هذا اللقاء الممتع؟

ع. ب.: نعم، حتى نتقدم للأمام يجب أن نتذكر جذورنا ولا يكتمل المستقبل إلا بالاعتراف بالماضي.

ظهرت نسخة من هذه المقالة في منشور خليجسك ، إصدار سبتمبر ٢٠١٩.

كلمات: انفال المطري
الصور: ©Dr. Abdulmuttaleb Al-Ballam. Kuwait National Library®

0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You May Also Like
Read More

السركال‭ ‬افنيو

ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬يومٍ‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬عام‭ ‬٢٠٠٧‭ ‬مصنعاً‭ ‬للرخام‭ ‬و‭ ‬مجموعةٍ‭ ‬من‭ ‬المخازن‭ ‬التجارية‭ ‬أضحى‭ ‬شيئاً‭ ‬اكبر‭…
Read More

وايلد‭ ‬كوفي‭ ‬بار

عندما‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬وايلد‭ ‬كوفي‭ ‬بار‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬ستشعر‭ ‬و‭ ‬كأنك‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬كوخ‭ ‬في‭ ‬غابة‭ ‬ما،‭ ‬ستبحث‭…
Read More

شي-كا

في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬وحينما‭ ‬تلتقي‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬نقطة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الاندماج‭ ‬الجمالي‭…
Read More

منتجع البليد من أنانتارا

تخيّل‭ ‬أن‭ ‬تُسافر‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬تتزيّن‭ ‬فيه‭ ‬الطبيعة‭ ‬بأبهى‭ ‬حُلتها‭. ‬مثل‭ ‬الجبال‭ ‬الخضراء‭ ‬والبحيرات‭ ‬والشلالات‭ ‬والطقس‭ ‬المثالي‭…