هي العلاقة مع الطريق، تلك الآلة الكفيلة بردم المسافات بين مكان المغادرة ومكان الوصول ضمن رحلة قد تتجاوز ساعة كاملة من الزمن بين المحطتيْن الأولى والأخيرة، وبين هذه وتلك ثمة الكثير من القصص التي قد تعطي لنفسها بُعداً فلسفياً أقرب إلى فلسفة المكان والعلاقة مع الشارع.

تسير الحياة في دبي على عجل، المترو صورة مصغرة عن حيوات أناسها، حركات هؤلاء الناس الداخلية والباطنية وشدة تسارعها صورة أصغر عن أصحابها، ليس لأن وتيرة الحياة باتت سريعة، بل لأن السرعة أسكنتنا أو نحن سكننا بداخلها، ولكن يبقى السؤال الملحّ: أي مترو أنفاق يسكننا؟

تماماً كما حال الكثيرين في دبي، دخل السرور إلى قلوبهم حين افتتاح مشروع مترو دبي ليربط بين أول محطة وهي الراشدية وآخر محطة هي جبل علي، ومن هنا فقط كان لابد لمن يقلّ المترو أن يكون على علم بأنه سيختصر مسافات شاسعة، فالعديد يعمل في مناطق بعيدة عن أماكن عملهم، والكثير أيضاً لا يستطيعون التوفيق في هذه المعادلة بين الدفع للمواصلات وقيمة رواتبهم، ولاسيما إن لم يكن ضمن بدلات الراتب بدل المواصلات، والمسألة تتعقد أكثر حين يتفاجؤون بدفعٍ مبالغ به لسيارات التاكسي أو الباصات الأقل تكلفة والأكثر استهلاكاً للوقت.

إذاً، الحياة تسير على عجل، وليس من وقت للتفكير، وحركة الناس داخل محطات المترو تشبه سرعة المترو بحدّ ذاتها، منذ لحظة دخول الباب الكهربائي وصعود الدرج الكهربائي ثم السير نحو جهاز فحص البطاقة وبالتالي إلى القطار ريثما يأتي.. هي الأزمنة التي تتلاحق داخل هذه المحطة ثم الجلوس أو الوقوف إلى حيث المبتغى. لذا، لن يكون الانتظار طويلاً إلا لمن يقف لا لمن يجلس، لكن ثمة نوافذ ضخمة تطلّ على دبي، حيث تلك المسافة وذلك العلو وأنت تنظر إلى الحياة ذات الإيقاع السريع والأبراج التي تعانق السماء ووتيرة الواقع المليء بالتحديات..

من نافذة المترو نفسها، قد تنسى صوت المنادي الآلي وهو يذكّر الركّاب بالمحطات التي يصلها، وقد يستفيق البعض على صوته، لكن لن يكون هناك مجال لاختيار محطة بديلة إلا لمن لا يتقن اللغات، وقد تسعفه اللغة الإنكليزية المكسّرة، رغم أن موظفي المترو أغلبهم من الجنسية الإماراتية، لكن ثمة ضرورة للتحدث باللغة العالمية معهم.

حكاية ثقافات تتفاعل داخل المترو، الكثير من الحضارات تتلاقى في ممره، ثمة الكثير من الألوان واللغات والأزياء تجعل من صالة المترو لوحة تشكيلية تنطق بما هو خارج حدود الوصف، وبالتالي الوصول إلى المحطة المطلوبة لتنزل ثقافات وتصعد ثقافات.. هنا في هذا المشهد، بعض اللقاء وبعض الافتراق، أجهزة هواتف متحركة تحمل في نغماتها المختلفة التي ترن في حيث الضجة الهادئة ما هو غريب وقريب، يختلط الصوت الآدمي بصوت المنادي الآلي، يتقارب الناس من الباب الذي يُفتح على مصراعيه وهو ينطق، الكل ينزل والكل يصعد، البعض يصعد والبعض ينزل، هكذا تخلق الحياة لها قدميْن لتمشي على شوارع الحياة في المترو.

بالطبع، وسيلة النقل الجماعية هذه غيّرت حياة الكثيرين، وصارت سرعة المترو على طريق مستقيم صالحة لقراءة صحيفة أو كتاب، على سكة مشروع كلّف 14.3 مليار درهم  إماراتي، من قبل اللجنة العليا لمشروع قطار دبي بعد استشارات واسعة النطاق ودراسات للتصميم قامت بها شركة سيسترا، وهي مؤسسة استشارية هندسية رائدة للنقل بالقطارات وداخل المدن.

هناك خطّان؛ الأحمر والأخضر، يبلغ طولهما 70 كيلو متراً، يضمّان 55 محطة بينها 33 تتبع الخط الأحمر و22 تتبع الخط الأخضر، إضافة لمحطتيْ تحويل، حيث يستطيع الركاب التحول من خط لآخر، فضلاً عن وجود تسهيلات عدة للطلاب وذوي الاحتياجات الخاصة ممن يستخدمون هذه الوسيلة.

ففضلاً عن الفوائد الجمة للمترو مثل تخفيف الازدحام المروري والراحة النفسية وتوفير الوقت وغيرها من مسائل التلوث السمعي والبصري، إلا أنه يعد مجتمعاً متكاملاً من حيث الأنظمة والقوانين والاستقلالية والخصوصية وشدة المراقبة، من خلال عناصر مدربة تعمل فيها ضمن الأوقات المحددة وفقاً لتعليمات تحافظ على مجرى الحركة داخل الصالة التي تختلف بين محطة وأخرى..

هناك تصميمات فريدة تتخصص بها هذه المحطات تتجلى في ابتكارات عمرانية متناغمة من حيث اللون والإضاءة، وكأن لكل مكان ما يميزه، ولعل أجمل المحطات، حسب رأيي، هي "الغبيبة" التي تتوسط مدينة دبي للتراث، فعند الخروج من الباب، تلمح نفسك خارج مدينة أخرى، من خلال المصاعد التي نُصبت في الساحات الفارغة التي ما إن تصعدها حتى تلمح نفسك ثانية داخل المحطة، هي تصميمات هندسية متميزة بجدارة.

حين صعد أحدهم المترو لأول مرة، كان يتفحص العربات بحثاً عن السائق، لكنه خلال مروره من أول عربة إلى آخر وحدة، لم يعثر عليه، فما كان منه إلا أن سأل أحد الموظفين هناك، ليجيبه: "يا خوي هذا قطار عالكهربا"، وتيقّن ذلك الشاب أن هذه العربات تشبه ألعاب البلاي ستيشن، فما أجمل أن تتخذ مكاناً في مؤخرة القطار حتى تتسارع نظراتك مع العجلات التي ترقص مع السكة الحديدية إلى حيث المغامرة، لكنه نسي أنه تجاوز محطة "الاتحاد" التي كان من المفترض أن ينزل فيها، فما عليه الآن إلا التحويل في محطة "خالد بن الوليد" التي تليها.. لا مشكلة.

– آلجي حسين

Alchy1984@hotmail.com

0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.