المشرق:
مكان يقع باتجاه الشرق.
مصطلح يطلق لتحديد الاستقامة والمواقع

توجيه:
اتجاه او موقع نسبي لشيء او شخص ما.
طريقة لقول/البوح عن "ميولنا الجنسية" دون تشتيت من احاسيسنا الزائفة/المصطنعة

ولدت وترعرعت في جدة بالمملكة العربية السعودية. وكلما تقدمت في العمر وتطورت شخصيتي، وجدت تغييراً في معنى الجملة السابقة أيضًا. وعلى الرغم من أن حبي وشوقي للبحر الأحمر الذي نشأت فيه سيظل أبدياً، إلا أنني أعيش اليوم محيطًا شاسعًا بلا حدود مادية: ألا وهو اللغة. قصتي مع اللغة لا تختلف كثيرا عن قصص العديد من مواطني الخليج من جيلي. نشأت وأنا أتحدث اللغة العربية في المنزل حتى بلغت السابعة من عمري، وسرعان ما بدأت تهيمن اللغة الإنجليزية علي و تتنافس مع لغتي الأم.

لا شيء يعيب اللغة العربية. إنها جميلة ومعقدة وموسيقية ولغة لن يتم الاستعاضة عنها يوماً في موطني. ورغم ذلك، عندما حصلت على أول لعبة فيديو، بوكيمون يلو (Pokémon Yellow)، كنت بحاجة إلى اللغة الإنجليزية للتنقل في تسلسلها السردي. ومنذ ذلك الحين، تطورت مغامراتي في العوالم الخيالية والقصص الرائعة باللغة الإنجليزية. و بحلول الوقت الذي تخرجت من المدرسة الثانوية و سافرت إلى الولايات المتحدة في عام ٢٠١١، كنت حينها متمكنا منها واكثر طلاقه. 

Repetition × Expletive × Album Cover

 يحررك استخدام اللغة الانجليزية من أية قيود فرضتها مجتمعاتنا. إذ أن اللغة الإنجليزية، والتي تتميز بصبغة علمانية، ترى ذاتها بمعزل عن الأديان أو أية تقاليد قديمة. أمور بسيطة مثل الشتم أو الحديث عن القضايا المتعلقة بالجنس أو الهوية الجنسية، على سبيل المثال، أجد سهولة في الحديث عنها باللغة الإنجليزية، في حين لا أجرؤ على نطقها باللغة العربية حيث أنني ترعرعت على الاعتقاد بأنها أقوال مخزية، ما جعلها من المحرمات. لذلك وجدت أن التحدث باللغة الإنجليزية أكثر يسراً وتحرراً.

بعد بضع سنوات من العيش في بوسطن، تفاقم الحنين الى الوطن، وألفيت آرائي حول اللغة قد تبدلت. وفي عام ٢٠١٦   ومع اقتراب إنهاء دراستي ضمن برنامج تصميم الجرافيك في جامعة بوسطن، غمرتني الحيرة أمام الاحتمالات اللانهائية والتخصصات الغير محصورة والتي يمكنني أن أحذوها في طريق إكمال دراستي العليا. حينذاك لم أكن متأكداً مما أردت التركيز عليه، حينها غدت اللغة العربية بالنسبة إلي ملاذًا ثقافيًا وأكاديميًا.

كانت نقطة انطلاقي هي إدراك أن التباين بين اللغتين والثقافتين منعكس على نحو مماثل في كل ما هو مطبوع ومقروء. إذ يستمد الخط العربي قداسته من القرآن الكريم والذي لم يكن ي يوم محطاً للتلاعب أو التحريف. على سبيل المثال، يعد أي كسر أو مد للحرف الإنجليزي "N" مجرد ممارسة مطبعية بسيطة. بالمقابل، يعد القيام بالشيء نفسه مع الحرف العربي "ن" مثاراً للتأويل الذي يتجاوز المرئيات، وقد يطال ذلك أي ارتباطات لوجود ذات الحرف في النصوص القرآنية المحفوظة وبالتالي يمكن أن يثير حفيظة بعض الناس في سياق معين.

إلى جانب اللغويات، ينظر بعض الخطاطين البسطاء إلى الخط العربي على أنه مقدس وشيء يجب التعامل معه بحذر. في المقابل، تم تجربة كافة الأشكال المحتملة بالنصوص اللاتينية. لقد أصبح مشروعي هو تحقيق علاقة ترابطية بصرية و تاريخية ما بين النصوص اللاتينية والعربية، والتي بدورها كانت طريقة للتوفيق بين اللغتين من خلال الجمع بين كل حرف لاتيني ونظيره بالعربي.

إن أكبر تحدي لي في هذه العملية من وجهة نظري يتمثل في إثراء النص العربي. على سبيل المثال، اللغة العربية ليس لها صوت "P". في حين أن الفارسية، وهي لغة تستخدم الأحرف العربية، تعبر عن شكل الصوت من خلال الحرف (پ). إنني أعتز بهذه الحالات لتذكيرنا بأن جميع اللغات البشرية مترابطة وتتكامل عبر التاريخ. تنامت اللغات وتفرقت بسبب الاختلافات الأيديولوجية التي يقودها الناطقون بها.

Abjad Orientations

 منذ ذلك الحين، أصبح عملي عبارة عن مساحة أعيد فيها ترتيب جوانب هويتي لفهم العالم. أنا أغتنم هذه الفرصة لنحت الكون الخاص بي و الذي يمكن أن أجد فيه ذاتي كذات مستقلة- بعيدًا عن التحامل والتفكير الجدي*. كانت هذه الأفكار هي القوة الدافعة وراء أطروحة الماجستير في كلية رود آيلاند للتصميم (RISD).

تحت عنوان "ميول أبجد" (٢٠١٩) تجسد في عملي العديد من الاكتشافات المتنوعة والمختلفة، كل منها يسعى لتحقيق هذا الهدف التوافقي. تسعى صياغة العنوان أيضًا إلى التوفيق بين مفهومين مختلفين على ما يبدو: أبجد والميول أوالتوجهات. هو نظام للكتابة يستخدم الحروف الساكنة بشكل أساسي، مع إهمال لوجود حروف العلة/المتحركة إذ تعد ثانوية ولا أهمية لوجودها. تستخدم العربية والعبرية والآرامية نظام أبجدي (مع علامات حروف العلة الاختيارية)، على عكس اللغة الإنجليزية التي تستخدم الأبجدية اللاتينية، والتي لا يمكن أن تعمل دون حروف العلة الخاصة بها.

يشير أبجد إلى النهج اللغوي، حيث تتفوق فيه الكلمات والحروف. إنها إشارة إلى الطريقة التي أفكر بها لفظيًا باللغة الإنجليزية، وهي alphabet، لكنني أفكر بصريًا باللغة العربية، بـ الأبجدية. وهنا يتجسد تفكيري وطريقة التعبير تتم أساسا باللغة الإنجليزية والتي أجدها اسهل بالاستخدام من لغتي الأم العربية.

ورغم ما سبق، فإن مصدر إلهامي البصري يأتي من اللغة العربية نفسها مثل: اتصال الحروف، وإضافة علامات التشكيل، واستخدام النقاط كنظام قياس في الخط العربي. مثال على ذلك هو ملصق بولندا، ثورة رسومية (٢٠١٨). تم تصميمه كجزء من معرض في Charles، فرنسا ، احتفالًا بتقاليد التصميم البولندية ، وتحديداً ملصقات السيرك.

عند تمعني بهذا المشروع كمصمم عربي، وجدت أن الموضوع يعد أجنبياً. على الرغم من ذلك، وجدته مصدر إلهام في أعمال المصممين البولنديين الذين قاموا بإنتاج نسخ بولندية من أفلام هوليوود. وبنفس الروح المعنوية، أخذت المسمى الـ CYRK (السيرك) وربطت أحرفه بنفس الروابط النصية التي تتم ما بين الحروف العربية في الكتابة.

تشير مصطلح "التوجه نحو الشرق" إلى مجموعة من الكلمات ذات الصلة ترتبط بأساليب البحث والتصميم الخاصة بي ، بما في ذلك "اكتشاف الذات" و "الاستشراق" و "التوجه الجنسي". ترتبط هذه المصطلحات ومعانيها ارتباطًا عميقًا بوجودي المكاني وديناميتا للغة التي أستخدمها وبما أواجهه ضمن سياق جغرافي معين.

يعد مشروع Mistranslation Poetry (٢٠١٨) من أبرز المشاريع لي والذي يتضمن الأشياء البسيطة التي قد يعتبرها المرء أمراً مسلماً بها، مثل الاسم الأول. على سبيل المثال، محمد هو الاسم الأكثر شيوعًا في المملكة العربية السعودية. لكن في الولايات المتحدة، وبالنظر إلى متلازمة "كره الأجانب" – وبشكل خاص الإسلاموفوبيا – التي تلت أحداث 11 سبتمبر، أصبح الاسم مثيراً للحفيظة العامة ومؤشراً للخطر على أقل تقدير. بالإضافة إلا صعوبة نطق الاسم "محمد" باللسان الأجنبي ما يجعله مغايراً لما هو عليه. لهذه الأسباب، كثيراً ما ألجأ إلى تقديم نفسي بصفتي "مو" فقط.

Mistranslation Poetry (2018)

مثال آخر هو كلمة "queer" "الشاذ" والتي اعتبرت باللغة الإنجليزية مصطلحًا مهينًا عند استخدامها في إشارة إلى الجنس و / أو الميول الجنسية المثلية (غيرالتقليدية) للشخص. تم إعادة صياغة الكلمة منذ ذلك الحين بواسطة مجتمع LGBTQAI +، الذي يستخدم الآن مفهوم هذه الكلمة كمصطلح تمكين. في اللغة العربية، من ناحية أخرى، هذه الترجمة لا يتردد صداها بنفس الطريقة. نظرًا للعوامل الاجتماعية والسياسية، أي إثارة لتلك المناقشات حول الهوية والتوجه الجنسي يتم قمعها فوراً في الإقليم العربي، ولم يتم منحها المجال لدراستها بدقة. نتيجة لذلك، فإن المصطلح العربي المكافئ لها مازال يعبر عنها بطريقة سلبية. تعبر هذه البوسترات عن أن تقاطع الهويات أمر معقد ويمكن أن يتغير بناءً تغير أو تطور الحالة الاجتماعية والجغرافية.

وبالمثل، أعتقد أن الحيز الذي يقطنه الفنان أو المصمم يمكن أن يؤثر على أعماله. بلا شك افتقد الوطن كعربي يعيش في أمريكا. ومع ذلك، فقد استثمرت في ثقافة التصميم العالمية بتاريخها الغني والمتنوع. في نهاية الوقت الذي أمضيته في RISD، قدّمني أستاذي، Keetra Dean Dixon، طريقة لإعداد سريع الشكل تستخدم مصفوفة من التأثيرات التي أشرف عليها.

في كل مره، أود الجمع بشكل عشوائي بين أسلوب جمالي واحد، بمادة وموضوع واحد، وتكوين قطعة عمل فريدة من نوعها في غضون ساعة واحدة فقط. جاءت الموضوعات التي اخترت العمل بها من مصادر ثقافية شخصية (مثل الاقتباسات والأغاني والأقوال المأثورة). ومع ذلك، فإن الأنماط الجمالية والتركيبية تراوحت بين الأنماط التقليدية (مثل المخطوطات) والأنماط الشكلية أو التجريدية (مثل التدرجات الألوان والأعلام وأغلفة الألبومات).

هذه الدراسات النموذجية (٢٠١٩) سمحت لي بتقديم هويتي المتفردة وبدلاً من تقديم هويتي بشكل منمق و قابل للهضم، فإن هذه العملية تتضمن تعدد الهوية وقابليتها للتكيف. بطريقة ما، تتناقض ممارستي مع مفهوم التصميم التقليدي المتمثل في التبسيط المنهجي الذي يخلق "علامة تجارية" فريدة.

لا أرفض مبادئ التصميم التي تتسم بالبساطة والكفاءة، لكنني أعتقد أنه يجب أن يكون هناك مجال أكبر للتعبير في هذا المجال لأن التصميم هو في الأساس شكل من أشكال السرد القصصي. ليس فعال ولا ملهم أن تعيد رواية نفس القصة. المضي قدما في حياتي المهنية ( أعمل كمصمم رسومات مستقل اعمل في نيويورك) ، أريد أن أتحدى فكرة التصميم هذه ، الذي من رأيي ، تخفف وتقلل من العديد من الموضوعات التي تمسها. لكل ماركة أو كتاب أو كائن يعمل المصمم لنقل تراثه وقصته الفريدة. وإذا كان حل التصميم لكل مشكلة من هذه المشاكل المعقدة هو نفس الخط الجمالي والبسيط بلا حدود، فسوف ينتهي بهم الأمر في النهاية إلى عدم تمييزه وقبوله – على عكس ما يُقصد به التصميم والعلامة التجارية.

آمل أن ألهم الشركات والأفراد على إطلاق العنان لمزاياهم الخاصة المتفردة لأن هذه الخصائص تبرز مواطن القوة الحقيقية لديهم. وعلى الرغم من أن النتيجة بعض الأحيان قد تكون فوضوية إلا أنها أكثر واقعية. وبهذا السياق، أرى أيضًا أوجه التشابه بين التصميم والعوامل السياسية والاجتماعية لعالمنا اليوم – وليس مفاجئًا، بالنظر إلى أن ثقافة التصميم انعكاس لحضارة المجتمع. انتشار العولمة شجع التجانس والتماثل وندد الاختلاف. بطريقة مماثلة، أحدثت التصاميم ذات الطابع البسيط مشهدًا من "العلامات التجارية المملة" (أبرزها علامات الأزياء الفاخرة.) ما أقترحه هو المزيد من الإخلاص والاهتمام بالتصاميم لعلها تذكرنا بإنسانيتنا المتنوعة.

ظهرت نسخة من هذه المقالة في منشور خليجسك ، إصدار سبتمبر ٢٠١٩.

كلمات: محمد نسيم
الترجمة العربية: فاطمة كرحان
الصور: محمد نسيم

mlnassem.com

0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like
Read More

نور مبارك الصباح

ولدت من أم أمريكية واشتهرت على الصعيد العالمي باقتنائها للأعمال الفنية تحت اسم الشيخة بولا الصباح، نور مبارك…
Read More

سالم فيصل القاسمي

مع اكتساح قطاع الصناعات الإبداعية لمنطقة الخليج العربي، حيث بدأنا نشاهد تصاعداً في أعداد استوديوهات التصميم والتي بدأت…
Read More

عهد العمودي

تصوّر‭ ‬رجلا‭ ‬يلبس‭ ‬الثوب‭ ‬و‭ ‬الشماغ‭ ‬مغطى‭ ‬بالرمان‭. ‬الخلفية‭ ‬من‭ ‬وراءه‭ ‬لها‭ ‬أيضا‭ ‬نفس‭ ‬التصميم‭. ‬يتوقف‭ ‬المارة‭ ‬عند‭…