لم أكن أعرف الكثير عن البلد الأفريقي رواندا تماماً مثل غيري من الأشخاص، وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفعني إلى استكشاف هذه الوجهة. أمّا السبب الآخر فكان منتجع ون آند أونلي نيونغوي هاوس الذي تمّ افتتاحه مؤخراً في حديقة نيونغوي الوطنية.

وحتى الآن ما زلتُ أسأل نفسي كيف كنتُ أجهل مكاناً رائعاً كهذا؟ وصلتُ إلى كيغالي، عاصمة البلد حيث كان كل شيء منظماً وآمناً تماماً، فشعرتُ بطاقة إيجابية لاسيما وأنّ الشعب مضياف جداً. فهي على أي حال مصنّفة حالياً كواحدة من المدن الأكثر أماناً في أفريقيا.

وما لبثتُ أن خرجتُ من المطار حتى لقيت استقبالاً حاراً من فريق ون آند أونلي نيونغوي هاوس الودود واستعددتُ للشروع في رحلتي إلى حديقة غابة نيونغوي الوطنية لتمضية الأيام المقبلة. في طريقنا من كيغالي، أبهرَتني المناظر الآسرة واستطعتُ بذلك التعرّف إلى البلد.

ما إن وطأتَ قدماي عتبة منتجع ون آند أونلي نيونغوي هاوس المفعم بالرقي، حتى استقبلتني أصوات الطبول وفرحتُ جداً حين رأيت لجنةً ترحيبيةً بانتظار قدومي. كانت بالفعل لحظاتٍ غامرةً، فأينما وقَعَت عيناي رأتا جمالاً أخاذاً. رأيتُ خَضاراً لم يسبق له مثيل وشهدتُ حفاوة استقبال لن أنساها طوال عمري. شعرتُ بدفء في قلبي يعجز اللسان عن وصفه. وجدتُ نفسي مفتونةً بأدق تفاصيل هذا المنتجع المذهل وأكثر ما لفتني كان التزامه بتحقيق الاستدامة.

كانت مناظر خضراء غناء نابضة بالحياة تحيط بنا في كل زاوية، ولكن عندما شاهدتُ ظُلة الشجر التي كنا على وشك الصعود فيها، أدركتُ حينها كم ارتفعنا عن سطح الأرض! كنّا على ارتفاع ٦٠ متراً (أي حوالي ١٩٧ قدماً) عن أرض الغابة ومن شدة حماسي شعرتُ بأنّني عدتُ طفلةً صغيرةً! وعندما انتقلنا إلى الجسر المعلّق خُيِّل إليّ أنّني في أحد أفلام المغامرات التي نشأتُ وأنا أشاهدها! لا أجدُ كلاماً يمكن أن يعبّر عن روعة هذه التجربة!

والمميّز في نزهة الظُلّة هو سلاسة اندماجها في البيئة حتى ولو كانت بنيةً صنعها الإنسان من مادة الفولاذ. فهي تتباين مع الطبيعة الخضراء، وتمتزج معها عندما تتحرّك. قد لا يحب الأشخاص الذين يخافون المرتفعات الحركة، ولكنّني عشقتُها! كم أبهرتني المناظر البانورامية للوادي! وإذا نظرت في الأفق يمكنك رؤية الضباب يتصاعد شيئاً فشيئاً. كانت لحظات رائعةً لدرجة أنّني توقّعت ظهور طرزان في أيّ لحظة! وبالتأكيد لن يستطيع أي فيديو التعبير عن روعة تلك التجربة وعن السكينة التي غمرت قلبي فيما كنتُ في الأعالي. كم تمنّيتُ أن أبقى فوق!

في وقت لاحق من اليوم، جلستُ مع الشيف تريجور، رئيس الطهاة في ون آند أونلي نيونغوي هاوس ودار بيننا حديث شيّق للغاية. أخذ يروي لي قصة هروبه من زيمبابوي، ناهيك عن بداياته المتواضعة حين عاش في شوارع جنوب أفريقيا. وكان الحظ حليفه عندما حصل على وثائق لجوء خوّلته استلام وظيفة تنظيف في مطابخ منتجع ون آند أونلي كيب تاون. وبفضل شغفه الكبير بالطعام ورغبته الشديدة بالتعلّم، تقدّم بسرعة وأصبح رئيس الطهاة في ون آند أونلي خلال ست سنوات فقط. عند سماع قصته، أدركتُ مدى حبّي للسفر حيث يتيح لي التعرّف إلى أشخاص مميّزين مثل الشيف تريجور، يحرّكون حماساً في داخلي بقوّتهم وعزمهم وروحهم الجميلة.

وبعدما شاركني سيرة حياته المذهلة، دعاني تريجور إلى زيارة حديقته في ون آند أونلي نيونغوي هاوس. صراحةً، لا أفهم شيئاً في المطبخ وبدت لي كلّ الخضار والفواكه متشابهةً! في الحقيقة، لم يسبق لي أن سحبتُ جزرةً من الأرض، فسُرِرت باكتشاف أساليب الزراعة وشرح لي كيف يستخدم المكوّنات التي يحضرها من الحديقة في أطباقه. أمضينا وقتاً ممتعاً مع الفريق وسادت روح الصداقة بيننا. شعرتُ وكأنّني طفلة، وعلى الأغلب أنّه كان سيشعر بالمثل لو أرَيتُ أحدهم معدّاتي أو مجموعة كاميراتي القديمة. لا أنكر أنّني أحبّ الاطلاع على أهواء الآخرين.

تابع تريجور مشواره معي في حديقته إلا أنّنا عجزنا عن التقاط صور مناسبة لأنّه ظلّ يمازحني. تباهيتُ بالخضار التي حملتها كباقة زهور كما ولو كنتُ في مسابقة ملكات الجمال. كانت جلسة تصوير صعبةً لأنّني كنت أتضوّر جوعاً. فقد أوقعتُ فطوري على الأرض في الصباح الباكر أمام الجميع ولن ينسى الفريق بأكمله هفوتي هذه. لا شكّ في أنّه موقف محرج جداً، إلا أنّ انسجاماً كبيراً جمعني بالفريق لدرجة أنّني لم أبالِ. كان رائعاً أن أسترخي وأمرح فيما أطرح أسئلةً وأتعلّم أموراً كثيرةً عن الطعام.

وكان تعلّم الرماية جزءاً مذهلاً آخر من رحلتي إلى منتجع ون آند أونلي نيونغوي هاوس، مع العلم بأنّ هذا النشاط متوفر لجميع الضيوف المقيمين في المنتجع. لا أدري ما الذي جعلني أتعلّمها بسرعة، ولكنّني كنتُ الأفضل بين الجميع وسدّدتُ الهدف مرّتين. على الأرجح أنّني كنتُ أسترجع ذكريات حياتي السابقة حين كنتُ أميرةً محاربةً. كان من الشيّق تعلّم مهارة استُخدِمت لأجيال في أنحاء كثيرة من العالم. في آسيا والشرق الأوسط، يعود تاريخ الصيد بالقوس إلى أكثر من ١٠ ألف سنة قبل المسيح وأحسستُ لوهلة بأنّني أشارك في تمرين تاريخي حيّ. أشكر المنتجع لمنحي هذا الدرس المميز.

في الصباح التالي، استيقظنا باكراً للانضمام إلى محبّي تتبّع الحيوانات للقيام بنزهة بين أحضان الطبيعة سيراً على الأقدام برفقة قرود الشمبانزي. نيونغوي محظوظة لأنّها تأوي آخر مجموعات قرود الشمبانزي السليمة في شرق أفريقيا. كان من المذهل الوقوف في الظلال بين الأشجار وتأمّلها. لديها سلوكيات تشبه سلوكياتنا، حتى أنّ بعض تصرّفاتها تنمّ عن حنان كبير لاسيما طريقة رعايتها لصغارها. فقد كان شرفاً لي أن أشهد لحظاتها الحميمة.

يُشكّل الشاي جزءاً لا يتجزأ من ثقافة رواندا. فقد اصطحبني أحد خبراء الشاي في المنتجع إلى مزرعة الشاي ليُريَني كافة مراحل عملية حصاد أوراق الشاي الأفريقية. استمتعتُ بالتفاصيل الدقيقة وكم من الوقت يستغرق إيجاد الأوراق الجيدة لحصدها. تُعتَبَر الأوراق الصغيرة الموجودة في الأعلى الأفضل في النكهة. عند تعلّم سرّ المهنة، تصبح العملية مدروسةً ودقيقةً جداً. إنّه مذهل بالفعل!

أنا محظوظة جداً لأنّني سافرتُ حول العالم وأشعر بالامتنان لكل تجربة عشتها. إلا أنّني أعترف بأنّ منتجع ون آند أونلي نيونغوي هاوس وكنوزه الخفية في جزء مذهل من رواندا يُعتَبَر واحدةً من أروع الوجهات التي رأيتها في حياتي. يعجز لساني عن وصف سحر هذه التجربة، بدءاً من المناظر الخاطفة للأنفاس، مروراً بالخدمة الممتازة وصولاً إلى فخامة المنتجع وتصميمه الفريد الذي يحتفي بموقعه الذي يُحسد عليه.

أقامت رها محرق في منتجع ون آند أونلي نيونغوي هاوس، رواندا. لمزيد من المعلومات، الرجاء زيارة www.oneandonlyresorts.com

ظهرت نسخة من هذه المقالة في منشور خليجسك ، إصدار مارس ٢٠١٩.

كلمات: رها محرق
الصور: جوردان سـنوزيل

0 Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You May Also Like
Read More

السركال‭ ‬افنيو

ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬يومٍ‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬عام‭ ‬٢٠٠٧‭ ‬مصنعاً‭ ‬للرخام‭ ‬و‭ ‬مجموعةٍ‭ ‬من‭ ‬المخازن‭ ‬التجارية‭ ‬أضحى‭ ‬شيئاً‭ ‬اكبر‭…
Read More

وايلد‭ ‬كوفي‭ ‬بار

عندما‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬وايلد‭ ‬كوفي‭ ‬بار‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬ستشعر‭ ‬و‭ ‬كأنك‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬كوخ‭ ‬في‭ ‬غابة‭ ‬ما،‭ ‬ستبحث‭…
Read More

شي-كا

في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬وحينما‭ ‬تلتقي‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬نقطة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الاندماج‭ ‬الجمالي‭…
Read More

منتجع البليد من أنانتارا

تخيّل‭ ‬أن‭ ‬تُسافر‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬تتزيّن‭ ‬فيه‭ ‬الطبيعة‭ ‬بأبهى‭ ‬حُلتها‭. ‬مثل‭ ‬الجبال‭ ‬الخضراء‭ ‬والبحيرات‭ ‬والشلالات‭ ‬والطقس‭ ‬المثالي‭…